إعادة تشكيل مفهوم المكان في الفكر الإسلامي بين الفلسفة والكلام

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 22

شغلت مسألة المكان حيّزًا مهمًّا في الفكر الفلسفي والكلامي، قديمًا وحديثًا. ففي الفلسفة اليونانية نجد أن أفلاطون نظر إلى المكان بوصفه حيزًا أو قابلاً تُوجَد فيه الموجودات، في إطار تصوّره الميتافيزيقي للعالم. أما أرسطو فعرّف المكان تعريفًا طبيعيًا، إذ اعتبره «السطح الباطن المحيط بالجسم المماسّ له»، وهو تعريف أقرب إلى التصور الفيزيائي منه إلى التجريد الميتافيزيقي.
وقد تأثر الفلاسفة المسلمون — مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد — بالتحديد الأرسطي للمكان، فتبنّوا بنيته الطبيعية في تعريفه، وإن اختلفوا في مسائل تتعلق بقدم العالم وحدوثه. كما ظهر هذا الأثر في كتابات إخوان الصفا والمشّائين عمومًا.
أما في علم الكلام، فقد ارتبط البحث في المكان بقضية التنزيه العقدي. فاتفق المعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية على أن المكان مخلوق حادث، وأنه من لوازم الأجسام، ومن ثمّ لا يجوز أن يُنسب إلى الله تعالى حلولٌ في مكان أو احتواء بجهة؛ لأن ذلك يقتضي الحدّ والحصر، وهما من صفات المخلوق. وبناءً على هذا الأصل، تأوّلوا نصوص الاستواء والعلو، وحملوها على معانٍ تليق بالتنزيه.
في المقابل، قرر جمهور أهل السنة من السلف وأتباعهم إثبات ما ورد في النصوص من غير تكييف ولا تمثيل، مع نفي مشابهة الخالق للمخلوق، فذهبوا إلى إثبات العلو والاستواء على الوجه اللائق بالله تعالى، من غير خوض في الكيفية، ورفضوا إدخال المصطلحات الكلامية — كالحيّز والجهة — في باب الصفات.
وبذلك يتبيّن أن محلّ الخلاف لم يكن في أصل تنزيه الله عن الاحتواء المادي، وإنما في منهج التعامل مع النصوص: هل يُصار إلى التأويل دفعًا للإيهام، أم يُكتفى بالإثبات مع تفويض الكيفية؟ وهي مسألة منهجية أكثر منها خلافًا في أصل التنزيه.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي