من 20 فبراير إلى جيل زد: تحوّلات الفعل والوعي

سعد بن علال
2026 / 2 / 20

بمناسبة ذكرى حركة 20 فبراير، لا نستحضر حدثًا عابرًا في الذاكرة السياسية المغربية، بل لحظة مفصلية أعادت طرح سؤال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بجرأة غير مسبوقة. بين زخم الشارع سنة 2011 وتحولات الوعي لدى جيل جديد تشكّل في الفضاء الرقمي، تتجدد الحاجة إلى قراءة نقدية تربط الدروس بالآفاق، وتفكك ما تحقق وما تعثر، بحثًا عن أفق ديمقراطي يزاوج بين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
إذا كانت حركة 20 فبراير قد دشّنت لحظة كسر الخوف في الشارع، متأثرة بالسياق الإقليمي الذي أطلقته الثورة التونسية وتوسّع مع ثورة 25 يناير، فإن ما يُسمّى اليوم بحراك جيل زد يعكس تحوّلًا في أدوات الفعل وأشكال التعبير، دون أن يعني ذلك تغيّر جوهر الأسئلة المطروحة.
فالانتقال من الساحات العمومية إلى المنصات الرقمية لا يلغي مركزية مطلب الكرامة، كما أن تبدّل أشكال التنظيم لا يلغي الحاجة إلى وضوح سياسي واستراتيجي. من هنا، يصبح استحضار ذكرى 20 فبراير ليس تمرينًا في الحنين، بل مدخلًا لتحليل الدروس التي راكمتها التجربة، واستشراف آفاق الفعل لدى جيل جديد يصوغ احتجاجه بلغته وأدواته.
إذا كانت حركة 20 فبراير قد دشّنت لحظة كسر الخوف في الشارع، فإن ما نسمّيه اليوم بـ“حراك جيل زد” يمثّل تحوّلًا في أدوات التعبير وفضاءات الاشتباك. الفارق ليس في الجوهر المطالِب بالكرامة والعدالة، بل في الوسائط والتمثلات وأشكال التنظيم.
لقد وُلد جيل 20 فبراير سياسيًا في الساحات، متأثرًا بموجة إقليمية انطلقت مع الثورة التونسية وتعمّقت مع ثورة 25 يناير. أما جيل زد (مواليد أواخر التسعينيات وبداية الألفية) فوعيه الأول تشكّل في الفضاء الرقمي: المنصات، البث المباشر، وسرديات قصيرة سريعة الانتشار.
أولًا: اختلاف الوسائط… واستمرار الأسئلة
1) من الساحة إلى المنصة
20 فبراير: مركزها الشارع، الإيقاع أسبوعي، الحشد مادي مباشر.
جيل زد: مركزه المنصات الرقمية، الإيقاع لحظي، الحشد افتراضي يتجاوز الجغرافيا.
لكن السؤال نفسه يتكرّر: من يملك القرار؟ وكيف تُوزَّع الثروة؟ وأين تقع العدالة الاجتماعية؟.
التحوّل هنا أن جيل زد لا ينتظر الوسيط الحزبي أو النقابي ليعبّر؛ يصنع روايته بنفسه، يضغط عبر “الترند”، ويحوّل قضايا محلية إلى شأن عمومي في ساعات.
2) من التحالفات الإيديولوجية إلى القضايا الملموسة
في 20 فبراير التقت قوى متباينة—من بينها جماعة العدل والإحسان والنهج الديمقراطي—حول شعارات جامعة.
جيل زد أقلّ صبرًا على الصيغ الإيديولوجية الشاملة، وأكثر تركيزًا على ملفات محدّدة:
- الشغل والهشاشة.
-كلفة المعيشة.
-الحريات الفردية.
-العدالة المجالية.
إنه انتقال من “البرنامج الكلي” إلى “القضية القابلة للقياس”، دون أن يعني ذلك غياب الحسّ السياسي.
ثانيًا: دروس 20 فبراير في مرآة جيل زد
الدرس 1: التنظيم لا يُستبدل بالهاشتاغ
التعبئة الرقمية قوية في إطلاق الشرارة، لكنها تحتاج امتدادًا تنظيميًا في الواقع (أحياء، جامعات، قطاعات إنتاج).
ما افتقدته 20 فبراير من نفسٍ تنظيمي طويل، لا يمكن تعويضه فقط بسرعة المنصات.
الدرس 2: وضوح الأفق شرط لتراكم القوة
أحد حدود 20 فبراير كان غياب اتفاق استراتيجي حول طبيعة الانتقال.
جيل زد، كي لا يكرّر الدائرة نفسها، يحتاج ترجمة المطالب القطاعية إلى أفق سياسي واضح يربط بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
الدرس 3: من الإصلاح القانوني إلى ميزان القوى الاجتماعي
التجربة بيّنت أن التغيير القانوني، مهما كان متقدمًا، يظل محدودًا إن لم يستند إلى ميزان قوى اجتماعي مستدام.
جيل زد يمتلك أدوات ضغط جديدة، لكن تحويلها إلى قوة تفاوضية يتطلّب تراكُمًا وتنظيمًا.
ثالثًا: آفاق الالتقاء
ليس المطلوب مقارنة جيلين، بل بناء جسر بينهما: خبرة 20 فبراير في الشارع والتنظيم، ومرونة جيل زد في التواصل والانتشار.
هذا الالتقاء يمكن أن يخلق صيغة جديدة للفعل العمومي:
حراكًا يجمع بين التعبئة الرقمية، والتنظيم القاعدي، والوضوح الاستراتيجي.
خلاصة
20 فبراير كسرت حاجز الخوف، جيل زد كسر احتكار السردية، الأولى أعادت السياسة إلى الشارع، والثاني أعادها إلى الهواتف… لكنه لم يُخرجها من الواقع.
الرهان اليوم ليس استعادة 2011، بل تحويل دروسها إلى وعي عملي: تنظيمٌ أمتن، مشروعٌ أوضح، وربطٌ دائم بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يترك إشارات.
ومن يقرأ إشارات 20 فبراير جيّدًا، يستطيع أن يمنح حراك جيل زد نفسًا أطول… وأفقًا أعمق.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن