|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 15
.
مرّ الدرس اللغوي العربي بثلاث مراحل كبرى: مرحلة التأسيس مع الخليل بن أحمد الفراهيدي، حيث وُضعت اللبنات الأولى للنحو والصوتيات، ومرحلة التقعيد مع سيبويه الذي صاغ القواعد صياغة نسقية في الكتاب، ثم مرحلة التحليل مع ابن جني الذي نقل البحث اللغوي من مجرد التقعيد إلى التأمل في علل الظواهر وطبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى. وإلى جانب ذلك، انفرد العقل العربي بإنجاز علم العَروض، الذي أسّسه الخليل بعد استقراء الشعر العربي، فحوّل الذائقة الجمالية إلى منظومة إيقاعية دقيقة لم تُنقَض إلى اليوم، لا فيما سبقه من شعر ولا فيما تلاه، وهو ما يدل على قدرة الفكر العربي على الجمع بين الحسّ الفني والتقعيد العقلي.
وانطلاقًا من هذا المسار، يتضح أن الدرس اللغوي العربي لم يكن وصفيًا محضًا، بل كان مشغولًا في عمقه بسؤال العلاقة بين اللغة والعقل. فانتقال النحو من جمع الشواهد إلى بناء القاعدة ثم تعليل الظاهرة يعكس وعيًا مبكرًا ببنية اللغة ووظيفتها الإدراكية. وهذا ما يجعل الحديث عن اللغة امتدادًا طبيعيًا للبحث في الخلق والمعرفة؛ إذ كما اختلف الفلاسفة في مصدر الوجود وطبيعة الإدراك، اختلفوا كذلك في مصدر المعنى: هل هو متعالٍ عن الإنسان أم نابع من النسق اللغوي ذاته؟
وفي الفكر الحديث أعيد طرح هذا السؤال ضمن إطار علمي، حيث تقرّر أن الدلالة لا تقوم على الأشياء مباشرة، بل على العلاقات داخل النظام اللغوي. غير أن الفارق الجوهري يبقى في المرجعية؛ إذ ظلّ الدرس العربي مرتبطًا بالنص الأعلى، بينما انطلقت اللسانيات الحديثة ضمن أفق حداثي يفصل اللغة عن المرجعية المتعالية، وهو ما مهّد لاحقًا لتحوّل اللغة إلى مركز للمعرفة، ثم لتفكك المعنى في البنيوية وما بعدها. وبذلك تتكامل الحلقات: من الخلق إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى اللغة، وصولًا إلى إعادة تشكيل الوعي الحديث على أساس لغوي خالص.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |