|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

أحمد كامل ناصر
2026 / 2 / 15
هل الامتحان غاية في ذاته أم وسيلة لفهم تطوّر الطفل؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنّه في العمق يعكس إشكاليّة فلسفيّة وتربويّة تتصل بجوهر العمليّة التعليميّة ذاتها. ففي مدارسنا الابتدائيّة، نجد أنفسنا كثيرًا أمام صراع خفيّ بين صرامة المنهج المقرّر ومرونة النفس البشريّة، وبين الإيقاع الزمنيّ للخطط الدراسيّة وخصوصيّة النمو النفسيّ والعقليّ للأطفال. ومن هنا تبرز إشكاليّة "الامتحان الموحّد" مقابل "الفوارق الفرديّة" بوصفها واحدة من أدقّ القضايا التي تواجه الإدارة المدرسيّة والمعلم والمختصّ التربويّ معًا. إنّ الإصرار على فرض نموذج تقييميّ واحد بآليات قياس جامدة، دون مراعاة لتباين القدرات الذهنيّة والجاهزيّة النفسيّة، يشكّل عائقًا تربويًا حقيقيًا يحول دون تحقيق مبدأ الإنصاف. فالعدالة في التعليم لا تعني تقديم ورقة الاختبار ذاتها للجميع، إنّما تعني منح كلّ طفل الأداة التي تناسب مستوى نموّه، وتراعي إيقاع تطوّره، وتكشف قدراته الفعليّة لا الظرفيّة.
وتتجسّد هذه المعضلة بوضوح في مواقف ميدانيّة متكررة، يمكن تمثيلها بصورة افتراضيّة تلخص المشهد الواقعيّ في كثير من المدارس: حين يجمع طلاب أحد الصفوف على عدم جاهزيتهم المعرفيّة أو النفسيّة لخوض اختبار مقرّر، ويطالبون بتأجيله لمزيد من الاستعداد، فيقابل ذلك بإصرار من المعلم على تنفيذ الاختبار في موعده المحدّد التزامًا بالخطة الزمنيّة، بينما تكتفي المستشارة التربويّة الحاضرة بالصمت دون إبداء رأي مهنيّ يوازن بين مصلحة الطالب وضغط البرنامج الدراسيّ. هذا المشهد، وإن بدا عابرًا، إلا أنّه يكشف خللاً بنيويًا في فهم فلسفة التقييم، إذ يتحوّل الاختبار من أداة تشخيص تربويّ إلى إجراء إداريّ ملزم، ومن وسيلة دعم إلى مصدر ضغط.
إنّ هذا المثال يسلط الضوء على فجوة عميقة في تعريف الأدوار داخل المؤسسة التعليميّة. فالمستشارة التربويّة في المرحلة الابتدائيّة ليست مجرّد مراقبة صامتة أو عنصر ثانويّ في المشهد، بل هي المرجع الفنيّ المختص بالنموّ النفسيّ والمعرفيّ للأطفال، وهي ــ بالمعنى التربويّ ــ "محامية حقوق الطفل التعليميّة". ومن هنا فإنّ دورها لا يقتصر على التدخل بعد وقوع المشكلة، بل يبدأ قبل إعداد الاختبار ذاته، من خلال المشاركة الفعليّة مع المعلمين في تصميم أدوات التقييم وصياغة أسئلتها واختيار توقيتها. إنّ إشراكها في هذه العمليّة يمثل صمام أمان يحول دون تحوّل التقييم إلى "مسطرة حديدية" تقيس الجميع بالمقياس نفسه، ويضمن اعتماد نماذج مرنة تراعي الفروق الفرديّة في الذكاء، والذاكرة، والانتباه، والقدرة على التعبير.
كما أنّ مفهوم العدالة التقييميّة لا يكتمل دون إدراك أنّ الطفل في المرحلة الابتدائيّة ما زال في طور التكوين، وأنّ قدراته ليست ثابتة لكن متحولة وسريعة التطوّر. فالاختبار الذي يقيس مستوى الطفل في لحظة توتّر أو قلق لا يعكس حقيقته المعرفيّة، إنّما يعكس حالته الانفعاليّة المؤقتة. ومن هنا فإنّ التقييم العادل هو الذي يتيح تعدّد وسائل القياس: ملاحظة، ومشروع، ومشاركة صفيّة، ومهام تطبيقيّة، واختبار تحصيليّ، بحيث تتكامل الصورة ولا تختزل في ورقة واحدة.
وهنا يبرز الدور القيادي لمدير المدرسة بوصفه الضامن المؤسسي لتوازن الأدوار. فالمسؤوليّة الإداريّة لا تقتصر على متابعة الانضباط الزمنيّ، بل تشمل مأسسة التعاون المهنيّ بين المعلم والمستشارة، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار التربويّ المشترك. فلا ينبغي أن ينفرد المعلم بقرار التقييم إذا تعارض مع المصلحة النفسيّة أو التربويّة للطلاب، كما لا ينبغي أن تبقى المستشارة خارج دائرة القرار. إنّ القيادة المدرسية الواعيّة هي التي تخلق ثقافة تنظيميّة تعطي للرأي التربويّ المتخصص وزنه الحقيقيّ، وتمنح المستشارة صلاحيات فعليّة ــ يمكن تسميتها مجازًا "حق الفيتو التربوي" ــ حين يكون الاختبار مهددًا لسلامة الطالب النفسيّة أو لعدالة القياس.
إنّ صمت المستشارة في مواقف كهذه لا يعكس بالضرورة تقصيرًا فرديًا، بل قد يكون نتيجة ثقافة مؤسسيّة تهمّش دورها، أو غموض في الصلاحيات، أو خشية من تعارض المهام. لذلك فإنّ إصلاح منظومة التقييم لا يتحقّق بإصدار تعاميم أو تعليمات فقط، بل ببناء وعيّ مهنيّ مشترك يؤمن بأنّ التقييم عمليّة تربويّة تشاركيّة، لا إجراءً إداريًا منفردًا. ويتطلب ذلك تدريبًا مستمرًا للمعلمين على استراتيجيات التقييم البديل، وورش عمل مشتركة بين الطاقم التربويّ، واجتماعات دوريّة لتحليل نتائج الاختبارات بوصفها بيانات تشخيص لا أحكامًا نهائيّة.
إنّ الانتقال من "الامتحان القسري" إلى "التقييم المرن" ضرورة أخلاقيّة ومهنيّة. فالفلسفة التربويّة الحديثة تؤكّد أنّ الهدف من القياس ليس فرز الطلاب وتصنيفهم، إنما دعم تعلمهم وتمكينهم. وحين يدرك الطفل أنّ الاختبار فرصة لإظهار ما تعلمه لا فخًا يخشى الوقوع فيه، يتحوّل القلق إلى دافعيّة، والخوف إلى فضول، والتوتّر إلى ثقة.
في الختام، يمكن القول: إن النجاح الحقيقيّ للمدرسة الابتدائيّة لا يقاس بعدد الأوراق المصححة ولا بنسبة العلامات المرتفعة، بل بقدرتها على احتواء التنوّع البشريّ داخل صفوفها، وتوفير بيئة تقييميّة عادلة تراعي الإنسان قبل المنهج. إنّها منظومة متكاملة يحمي عدالتها المدير برؤيته القياديّة، وينفذها المعلم بخبرته المهنيّة، وتضبط إيقاعها المستشارة بوعيها النفسيّ والتربويّ. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح التقييم فعل رعاية لا أداة ضغط، ورسالة بناء لا وسيلة إقصاء.
الطيرة ـ 15.2.2026
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |