|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

منذر ابو حلتم
2026 / 2 / 12
يشهد التاريخ الإنساني تحوّلًا جذريًا في وسائط نقل المعرفة، تحوّلًا لا يقتصر على تغيير أدوات القراءة فحسب، بل يعيد تشكيل علاقتنا بالمادة، وبالبيئة، وبفكرة المعرفة ذاتها. فالمؤشرات المتسارعة توحي بأن الكتاب الورقي، الذي صمد قرونًا طويلة بوصفه الوعاء الأساسي للفكر، يقترب من أفوله الحتمي، مفسحًا المجال لعصر المعرفة الرقمية الخالصة.
تلاشي الارتباط العاطفي بالمادة
غالبًا ما يُستدعى الدفاع عن الكتاب الورقي من بوابة الحنين: ملمس الصفحات، ورائحة الورق، وطقوس القراءة الهادئة. غير أن هذا الارتباط، في جوهره، تعبير عاطفي مرتبط بجيل عايش الانتقال من الورق إلى الشاشة. ومع تعاقب الأجيال، يتراجع هذا الشعور تدريجيًا، ليحل محله وعي جديد لا يرى في الورق سوى وسيط بدائي محدود الكفاءة. فالأجيال التي وُلدت في حضن التكنولوجيا لا تنظر إلى القراءة كطقس مادي، بل كتجربة تفاعلية آنية، تتجاوز حدود المادة والزمن.
الاستدامة البيئية وضرورة الكوكب
بعيدًا عن العاطفة، تفرض الضرورة البيئية نفسها كعامل حاسم في هذا التحول. ففي عالم يرزح تحت أزمات مناخية متلاحقة، يغدو قطع الأشجار وتحويلها إلى عجينة ورق رفاهية بيئية يصعب الدفاع عنها. إن الانتقال إلى وسائط غير عضوية، تعتمد على السيليكون والرمال في صناعة المعالجات والشاشات، لا يمثل تقدمًا تقنيًا فحسب، بل خيارًا أخلاقيًا يهدف إلى حماية ما تبقى من غابات الكوكب. ومع الفارق الهائل بين الكلفة الاقتصادية واللوجستية للورقي مقابل انخفاض تكلفة الرقمي، يبدو حسم هذا الصراع مسألة وقت لا أكثر.
عصر «المكتبة الكونية»
لا يبشر المستقبل بمجرد استبدال الكتب الورقية بنسخ إلكترونية، بل يعد بولادة مكتبة كونية، يحملها الإنسان في جيبه أينما ذهب. بفضل تقنيات الحوسبة السحابية، يتلاشى مفهوم «امتلاك الكتاب» ليحل محله «حق الوصول». يصبح التراث الفكري الإنساني بأكمله متاحًا في أي لحظة، ومن أي مكان، عبر واجهات رقمية ذكية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
مصير المكتبات العامة
أما المكتبات العامة، بصيغتها التقليدية، فمن المرجح أن تمر بمرحلة انتقالية تتحول خلالها إلى فضاءات توثيقية أو متاحف للوسائط المعرفية القديمة، يقصدها الناس بدافع الفضول التاريخي. ومع تعمّق الاستغناء عن الورق، ستفقد هذه المؤسسات دورها الوظيفي، لتتحول إما إلى مراكز ابتكار رقمي، أو لتذوب تدريجيًا في الفضاء اللامادي للسحابة الإلكترونية.
نحن على أعتاب مغادرة عصر «المادة» والدخول في عصر «المعرفة المجرّدة». لم يعد الكتاب كيانًا من ورق وحبر، بل أصبح نبضًا رقميًا عابرًا للقارات. إن أفول الكتاب الورقي لا يعني نهاية القراءة، بل يمثل تحريرًا للمعرفة من قيودها المادية، لتغدو مشاعًا كونيًا متاحًا للجميع… بضغطة زر.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |