|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ذياب فهد الطائي
2026 / 2 / 10
توقّف المطر، وشجرة الصفصاف كفّت عن النواح حين غادرتها رياحٌ شماليّة، وبدا نهارٌ مشرق.
لكنّ جواد كان متوجّسًا، يشعر بتوتّرٍ غامض؛ فما زالت معارك الأمس في الحديقة الخلفيّة لكلّية الطب تُثير في نفسه حزنًا مريرًا.
حين رنّ جرس الدخول إلى الصفوف، وقف بعض الطلبة في مداخل الممرّات وأمام أبواب القاعات يدعون إلى الإضراب. وحين تمرّ مجموعة إلى صفّها، تتغيّر اللهجة إلى نبرةٍ حادّة، تتخلّلها الشتائم أو كلمات بذيئة.
لم يستطع جواد الدخول. وقفت إلى جانبه سوسن، ثمّ سحبته إلى الخارج بعد أن بدأ التلويح بالعصيّ.
وهما يخرجان إلى سيارة سوسن المركونة قرب الباب الرئيس للكلية، كان جواد يتمتم كأنّه يقرأ قصيدة:
-بغداد... آه يا وجع المدن القديمة،
كم غيّرت فيكِ الأيامُ ملامحَ الصباح.
كانت شمسُكِ تُشرق ذات يومٍ على دفاترٍ مفتوحة،
على وجوهٍ حالمةٍ بمستقبلٍ من نور،
أمّا اليوم، فالشمسُ نفسها تخرج متعبة،
تتعثّر بين هتافٍ وصدى عصًا تُلوّح في الهواء.
في باحات الكلّيات، كانت الأشجارُ تُنصت للحروف وهي تتناثر من أفواه الطلبة،
واليومَ تنحني الأغصانُ خجلًا، إذ تحوّلت عصيُّها إلى أدواتِ وجع.
العلمُ الذي كان ضوءًا على المكاتب، صار رمادًا يتطاير مع صراخ الجموع.
القوميّون يرفعون شعاراتهم كمن يرفع رايةً في معركةٍ لا تنتهي،
والشيوعيّون يدخلون القاعات بخطى ثابتةٍ ولكن مترقّبة،
كأنّهم يسيرون نحو درسٍ أخيرٍ في معنى الصمود.
كلاهما يؤمن بوطنٍ، لكنّ الوطنَ نفسه يقف مذهولًا على العتبة،
يسأل: من منكما أنا؟
الأساتذة يراقبون من النوافذ،
عيونهم مثل مرايا قديمة، ترى ولا تقول،
بينما الحدائقُ التي شهدت أوّلَ قصص الحبّ
تُصغي الآن لأنين الأرض تحت أقدام المتصارعين.
وبين الركام، بقيت ورقةٌ صغيرةٌ ملوّثةٌ بالتراب،
عليها خطٌّ مرتجف كتب
(غدًا... ستعود بغداد كما كانت).
لكنّ الغد مرّ... ولم تعد.
قال جواد بصوتٍ مثقلٍ بالشجن:
-لى أين نذهب
أجابته سوسن وهي تُشغّل السيارة:
إلى البرازيليّة... ثم إلى مطعم عمّو إلياس.-
ابتسم جواد بمرارة:
-وإلى أين يذهب العراق؟
التفتت نحوه، وعلى شفتيها ابتسامةٌ باهتة
-هذا لا يعرفه إلّا الله... والسفارة البريطانية، ومن المؤسف أننا لا نستطيع التوجّه إلى أيٍّ منهما.
أمّن على قولها بإيماءةٍ صامتة.
كانت سوسن ترتدي ملابس بألوانٍ هادئة، على ما كان يُعرف حينها بـ(الأناقة المهملة). انتبه جواد إلى أنّها اليوم تضع حول عنقها سلسالًا ذهبيًّا تتدلّى في نهايته قطعةُ حجرٍ بلونٍ أزرق صافٍ على صدرها الناهد.
لم تكن سوسن ممّن يلفتن الأنظار من اللقاء الأول؛ فملابسها الهادئة تتحدّث بلغةٍ لا يسمعها إلّا من يُجيد الإصغاء.
قالت وهي تبتسم:
ولكن لن نتحدث عن سارتر اليوم.-
قال جواد
-بغداد اليوم تسبق فلسفةَ سارتر؛ فالوجود لن يفضي إلى العدم... بغداد ستعود.-
قالت بهدوء:
-ربّما
كانت رائحة القهوة تنتشر في أرجاء المقهى بكثافةٍ مألوفة، تمتزج برنين الملاعق في الفناجين وصوت آلة التحميص في الزاوية. الهواء دافئ، مشبع ببخارٍ خفيف يحمل معه نكهة البنّ المحمّص وحديث الزبائن المتقطّع، حديثٌ له نكهةٌ خاصةٌ لا تجدها إلّا في حوارات مثقّفي بغداد.
على الطاولات أكوابٌ نصف ممتلئة، وجرائدُ مفتوحة على أخبارٍ قديمة، ووجوهٌ شاردة تتأمّل ما خلف الزجاج في شارع الرشيد. بدا المكان كأنّه يعيش على إيقاع القهوة؛ لا يبدأ نهاره إلّا برائحتها، ولا يهدأ إلّا حين تخفّ حدّتها في المساء.
طلبت سوسن كأسًا كبيرًا من القهوة، فيما طلب جواد إبريقًا من الشاي ، لا ليُطفئ عطشه، بل ليُوقظ في داخله سكونًا نسيه منذ زمن.
أمسك الكوب بكلتا يديه كأنّما يحتضن دفءَ الأيام الجميلة التي مضت، وارتشف رشفةً بطيئة.
امتزج طعم الشاي بطعم الطمأنينة، وتلاشى ضجيج العالم خلف جدران تلك اللحظة الصغيرة. ابتعد صراخ الشارع وصراع طلبة الطبّ.
ابتسم بهدوء وقال في سرّه:
كم هو بسيطٌ هذا الرضا... وكم يتطلّب منّا أن نتوقّف قليلًا فقط لنسمع صوته.
قال جواد وهو ينظر إلى صدرها:
جميلٌ هذا السلسال، وخصوصًا الحجر الأزرق.-
ابتسمت وقالت
الجميل أنك انتبهتَ إليه.-
قال بخجلٍ خفيف:
-عفوًا... لقد بدأتُ أنتبه إلى أشياء بسيطة، ولكنها مهمّة
قالت وهي ترفع فنجانها الكبير بين يديها:
-أن تبدأَ، مسألةٌ غايةٌ في الأهميّة... لكن الأهمّ، إلى أين تريد أن تصل؟
كانت تجلس متّزنةً، تمسك فنجان القهوة بكلتا يديها، يتصاعد منه بخارٌ ساحر..
ردد جواد لم أكن أعرف أن الحبّ قادرٌ على أن يُغيّر في المرء شيئًا عميقًا. كانت تتحدث بخفّةٍ، كأنها لا تنتمي إلى المكان رغم رومانسيته. أشعر بشيءٍ يتحرك في صدري، لا هو نبضٌ ولا خوف، بل مزيجٌ من الدهشة والسكينة، كأن قلبي تذكّر فجأةً كيف يكون حيًّا.
ربّما كان ذلك ينمو ببطءٍ، وأنا أراها كلّ يوم.
كلّ مرةٍ تبتسم فيها، كنتُ أشعر كأنني أملك العالم للحظةٍ واحدة. كنت أعود إلى غرفتي في القسم الداخلي محمّلًا برائحتها العالقة في الهواء، أراجع المواقف الصغيرة كأنها فصول روايةٍ عظيمة.
كانت مشاعري تسير نحوها كما يسير الضوء إلى نافذته.
ربّما لم تدرِ يومًا بما تركته فيّ من أثرٍ وفكر.
الأجمل من الحبّ هو وعي الحبّ؛ وعي تلك المشاعر الناعمة وهي تتمدّد في فكرك وفي جسدك، فتبعث لذّةً تجعلك تستشعر القشعريرة..
كانت بغداد مدينةَ البدايات... وبدايةُ هذه المشاعر كانت كافيةً لأحبّ الحياة أكثر.
قالت سوسن بابتسامةٍ دافئة:
النهايات محكومةٌ بالمقدّمات.-
ابتسم بودٍّ وقال بصوتٍ خافت:
"-وربما... بالمصادفات أيضًا
"ربّما."
امتزج طعم الشاي بطعم الطمأنينة، وتلاشى ضجيج العالم خلف جدران تلك اللحظة الصغيرة. ابتعد صراخ الشارع وصراع طلبة الطبّ.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |