من الممارسة الفعلية إلى البنيوية: تطور الفكر اللغوي العربي بين التراث والتحليل الحديث

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 10

تمثل اللغة ظاهرة معقدة لمن أراد تفكيكها أو الوقوف على فلسفتها بصورة دقيقة، فالتناول اللغوي الحديث ينظر إلى اللغة وفق أنساق متعددة لم تكن معهودة في القديم. فإذا نظرنا إلى اللغة في الهند أو اليونان أو غيرها من الأمم، نجد تصورات أولية تتعلق بالنحو أو الصرف، بخلاف الأمة العربية التي لم ينشأ لديها الدرس اللغوي المنهجي إلا بعد مجيء الإسلام وبعد عهد النبوة المباركة.
وجلّ الدراسات اللغوية حينذاك كانت تنصب حول الكتاب العزيز والسنة النبوية، وتحوم حول الإعجاز الأسلوبي والبلاغي الذي أدهش العرب، وهكذا كانت وظيفة اللغة في القديم وظيفة تحليلية تفسيرية في المقام الأول.
**ولا يعني عدم وجود درس لغوي منظم لدى العرب في الجاهلية في مجالي النحو والصرف أنهم كانوا يجهلون العملية اللغوية، بل كانوا يمارسونها ممارسةً فطرية عملية، قائمة على الذوق والسليقة. وليس أدلّ على ذلك من المعلقات والشعر الجاهلي عامة؛ إذ تكشف هذه النصوص عن وعي دقيق بتركيب اللغة، وبمواضع القوة والضعف، وما يحسن وما لا يحسن في القول، وهو ما يدل دلالة واضحة على امتلاكهم معرفة لغوية راسخة، وإن لم تكن مؤطرة في قوالب نظرية أو مصطلحية كما عُرفت لاحقًا. وكما ذكر الجاحظ في البيان والتبيين:
«العرب تعرف أن الكلمة أداة، وأنه ينبغي ترتيب الكلام بما يليق بالمستمع، وأن في التعبير حسن وقبح، قوي وضعيف» (الجاحظ، البيان والتبيين، دار الفكر العربي، 1988، ص 45).
وقد تنبه ابن جني إلى أن اللغة وسيلة للتواصل بين كل قوم، وهو ما يعد استكشافًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بالعملية اللسانية، وإن لم يكن ذلك مصاغًا في إطار علمي مستقل. غير أن هذا لا يعني إسقاط مفاهيم معاصرة على مصطلحات قديمة؛ فذلك من التمحّل المنهجي، إذ لا بد من مراعاة السياق التاريخي لكل مفهوم.
كما أن عدم قراءة التراث قراءة واعية لا يعني غياب القضايا التي تتصل بالدرس اللساني الحديث، فالتراث العربي غني ومتسع ومتشعّب، ويضم آثارًا من ألسنة مختلفة مثل الفارسية والأوردية والعربية، فضلاً عن تنوّع اللهجات واللسن. هذا التنوع يعطي الباحثين المعاصرين مساحة واسعة لإعادة القراءة وإعادة التفسير، واستكشاف قضايا لغوية كانت خفية أو لم تُدرس من قبل، مما يتيح إمكانات جديدة لفهم اللغة العربية وتطوراتها التاريخية.
ومن المهم التنويه بأن الاستشراق كان من ضمنه دراسة اللغة العربية والإفادة منها، فقد درس الغرب الشعر والنثر والنحو والصرف، وكتبوا في ذلك، وكانت لهم مواقف من الشعر الجاهلي وغيره، مما يطرح سؤالًا مشروعًا: ما الذي يمنع لديهم من البدء بالبواكير العربية لتأسيس بعض نظرياتهم؟ مجرد سؤال.
ثم بدأت دراسة اللغة دراسة علمية حديثة على يد فردينان دي سوسير من خلال محاضرات في اللسانيات العامة التي طُبعت سنة 1916م على يد تلاميذه بعد وفاته، حيث حاول دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، بعيدًا عن المؤثرات الخارجية، وهو ما عرف لاحقًا بالبنائية، عبر مجموعة من القضايا المؤسسة. وقد أكد سوسير أن «اللغة نظام من العلامات المعبّرة عن الأفكار» (فردينان دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة، ترجمة يوسف وغليسي، دار الحوار، 2005، ص 40).
ومن هنا يتأكد أن التعامل مع التراث أو مع النظريات الحديثة لا ينبغي أن يكون سطحيًا أو إسقاطيًا، وهو ما نبّه إليه عبد العزيز حمودة حين قال:
«إن استيراد المفاهيم دون وعي بسياقاتها الفلسفية يؤدي إلى قراءة مشوّهة للتراث والواقع معًا» (عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة، عالم المعرفة، الكويت، 1998، ص 17).

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي