من الشاهد إلى التأويل: مقاربة في تأسيس الفاعلية النصية بين النقد العربي القديم والمناهج الحديثة

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 8

إننا ننظر إلى النقد الأدبي بوصفه عملية مركبة قوامها: ناقد، ونص، ومخرجات معرفية تنتج عن التفاعل بينهما، أو ما يمكن أن نطلق عليه «الفاعلية العلمية النقدية». ولذلك فإن عملية النقد الأدبي «تقوم على التحليل والتعليل والتقويم والتفسير، وقبل ذلك كله على الذوق الأدبي الذي تشحنه الدربة وكثرة المران» . كما أن ثمّة محددات فكرية وثقافية تتكوّن منها الشخصية النقدية، وتتجلّى عبر ما تصدره من أحكام وآراء قد تتفق فيها مع غيرها أو تختلف." ومن هنا تتحدد قيمة العالم أو الناقد فيما يؤسسه من أحكام نابعة من قراءاته الناهضة.
ويُعدّ ابن سلام الجمحي من أوائل " من نص على استقلال النقد الأدبي فأفرد الناقد بدور خاص، و ذلك حينما جعل لنقد الشعر و الحكم عليه (صناعة يتقنها أهل العلم ، مثلما أن ناقد الدراهم و الدينار يعرف صحيحهما من زائفهما بالمعاينة و النظر، و لعله كان يرد هذا على من يتطاولون إلى الحديث في نقد الشعر عن معاصريه و هم لا يملكون ما يسعفهم على ذلك، و هذا ما يستشف في توجيه نقده إلى "ابن إسحاق" كاتب السيرة النبوية الذي أفسد الشعر و هجنه و حمل كل غثاء منه، و قد شمل بحملته جميع (الصحفيين) الذين أخذوا علمهم من الدفاتر (و لو كان الشعر مثل ما وضع ل"ابن إسحاق" و مثل ما رواه الصحفيون ما كانت إليه حاجة و لا فيه دليل على علم"
و"أصبحت "قيمة العالم تتجلى في معرفته بالشواهد واستخراجه لها من الكلام الفصيح واستحضاره إياها عند الحاجة ، وقد ألمح عبدالقاهر الجرجاني إلى ضرورة أن يتسم طالب التحقيق بإمعان النظر والاستشهاد يغدو إعادة إنتاج للنص المستشهد به، بمعنى أن الاستشهاد يصبح وتقصي الشواهد وعدم الاقتصار على أمثلة تذكر ونظائر تعد تناصاً حين يعمد المؤلف إلى تضمين أجناس شاهدة في حقول معرفية متنوعة يبثها في ثنايا مؤلفه هذه الشواهد إمَّا مؤسسة لمضامين قديمة فهى عبارة عن إثباتات، واما مؤسسة لأخرى جديدة سواء استخلصها المؤلف بتأويل أو قراءة إبداعية مستكشفة ومستنبطة من خلال تأمل الشواهد، أو استخرجها المتلقي فهي بين الإثبات والتمثيل "
ويُعدّ كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير من أبرز المؤلفات النقدية في العصر الأيوبي، إذ جمع فيه فنون البلاغة، ولاقي قبولًا واسعًا، وإن لم يخلُ من نقد. فقد حاول ابن الأثير أن يكون مبدعًا أكثر منه متّبعًا، غير أن نشاطه النقدي ظل في دائرة التراث، ولم يرتقِ إلى بناء منظومة نظرية متماسكة، فاختلطت عنده مستويات الاتباع والابتداع، وبدا مشروعه أقرب إلى الذوق الفردي منه إلى التأسيس المنهجي الصارم.
ومن خلال كتابه تتجلى مجموعة من القضايا النقدية المهمة:
أولًا: قضية الإسناد؛ إذ يرى ابن الأثير أن اعتماد الشطر الأول من البيت على الثاني ليس عيبًا، بل من المحاسن، بخلاف قدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري اللذين عدّاه من التضمين المعيب. ويذهب ابن الأثير إلى أن الكلام يكمل بعضه بعضًا، وهو ما يقترب من مفهوم الوحدة العضوية في النص، التي ستصبح لاحقًا معيارًا نقديًا حديثًا.
ثانيًا: قضية السرقات الأدبية؛ إذ يعدّها من باب اتحاد الطرق واختلاف المقاصد، أي أن يسير شاعران في طريق واحدة فتفضي بهما إلى مآلات مختلفة، ومن هنا يظهر فضل أحدهما على الآخر. وهذا التصور يقارب ما يُعرف اليوم بالتناص وفاعلية الخطاب.
ثالثًا: معيار ثقافة الأديب؛ حيث يشترط ابن الأثير انفتاح الكاتب على مختلف العلوم والمعارف، بل وعلى تفاصيل الحياة اليومية، لا الاقتصار على القرآن والسنة واللغة فحسب. وهو ما يشي بانفتاح النص وثراء التأويل.
رابعًا: تمييزه بين مهمة النحوي ومهمة البياني؛ فالأول يضبط اللغة، والثاني يكشف محاسن التراكيب ودلالاتها، وهو ما يمكن اعتباره إرهاصًا مبكرًا بالسيمياء والأسلوبية وفاعلية النص.
خامسًا: قضية المناسبة بين التراكيب، أو ما يُعرف بالنظم، متأثرًا في ذلك بعبد القاهر الجرجاني، حيث تتحدد القيمة الجمالية للكلام بحسب ترتيب الألفاظ وعلاقاتها، ومن هذا الباب جاءت المفاضلة بين كلام الله وكلام البشر.
سادسًا: قضية السياق، الذي سماه «المساق»، بأنواعه اللغوية والنفسية وغيرها، وهو ما يمثل بداية وعي بالعلاقة بين النص وواقعه.
وسابعًا: التذوق أو الذائقة، بوصفها أداة أساسية في الحكم النقدي.
وفي الوقت الراهن، سعى عدد من النقاد العرب المعاصرين إلى تأصيل مفاهيم نقدية غربية مثل: التناص، والاختلاف، والأثر، وموت المؤلف، بالبحث عن جذورها في التراث العربي، مؤكدين أن النقد والبلاغة العربيين حافلان بأصول نظرية يمكن إعادة إدماجها في النقد الحديث.
وهكذا يتضح أن الانتقال من «الشاهد» إلى «التأويل» يمثل تحولًا من منطق الإثبات إلى منطق إنتاج المعنى، ومن حضور النص بوصفه مادة للاستشهاد إلى حضوره بوصفه كيانًا فاعلًا مفتوحًا على قراءات متعددة، وهو ما يضعنا أمام جدلية مستمرة بين التراث والمقاربات الحديثة، لا على أساس القطيعة، بل على أساس الامتداد والتفاعل.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي