من إبستين إلى العالم العربي: حين يصبح الإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء

سعد بن علال
2026 / 2 / 8

ما يهمّنا في ملفات إبستين ليس ما إذا كان هذا المسؤول أو ذاك قد زار جزيرته، بل ما الذي يجعل منظومة كاملة قادرة على حماية المتورطين، وإسكات الضحايا، وإغلاق الملفات في اللحظة المناسبة. هذا السؤال، حين نطرحه، لا يعود غربيًا خالصًا، بل يصبح سؤالًا مألوفًا في السياق المغربي-العربي.
1. تشابه المنطق… اختلاف الدرجة
في المغرب والعالم العربي، لا نحتاج إلى “جزيرة إبستين” كي نفهم منطق الحصانة. يكفي أن نراقب كيف تُدار ملفات الفساد الكبرى، أو انتهاكات النفوذ، أو الجرائم المرتبطة بكبار المسؤولين.
القاعدة واحدة: القانون يُطبّق حين يكون بلا كلفة سياسية، ويُعلّق حين يقترب من مراكز القوة.
الفرق بين المركز الإمبريالي والأطراف التابعة ليس في الجوهر، بل في الشكل: هناك تُغلّف الحصانة بخطاب قانوني أنيق، وهنا تُدار بصمت خشن.
2. الأخلاق كسلاح انتقائي
كما في الغرب، تُستخدم الأخلاق في المجال العربي استخدامًا انتقائيًا. تُستدعى القيم حين يتعلق الأمر بخصوم سياسيين، أو بفئات ضعيفة، أو بنشطاء بلا حماية.
لكن حين يكون المتورط جزءًا من شبكة نفوذ اقتصادية أو سياسية، تتحول الأخلاق إلى “تفاصيل”، والضحايا إلى “ملف مزعج”.
وهنا تتقاطع قضية إبستين مع واقعنا: ليست المشكلة في غياب القوانين، بل في من يملك حق تعطيلها.
3. الإعلام: من الرقابة إلى التدجين
إذا كان الإعلام الغربي قد مارس صمتًا انتقائيًا في ملف إبستين، فإن الإعلام العربي غالبًا ما يذهب أبعد:
ليس فقط بالصمت، بل بإعادة توجيه النقاش نحو الهامش، أو تحويل القضايا البنيوية إلى “فضائح فردية”، أو “أخطاء شخصية”.
النتيجة واحدة: تفريغ القضية من بعدها السياسي، ومنع تشكّل وعي جماعي يربط بين الجريمة وبنية السلطة.
4. الدولة العميقة… واقع يومي لا مصطلح غامض
في السياق العربي، لا تحتاج “الدولة العميقة” إلى تعريف نظري معقّد. هي تُرى في: ملفات لا تُفتح، محاكمات لا تكتمل
أحكام تُخفف أو تُلغى، ضحايا يُطلب منهم الصمت باسم “الاستقرار”، بهذا المعنى، يصبح إبستين مجرد مرآة مكبّرة لمنطق نعرفه جيدًا: منطق يحمي الأقوياء، ويطالب الضعفاء بالصبر أو النسيان.
5. لماذا يهمّنا إبستين هنا؟
لأن القضية تفضح وهمًا شائعًا في الخطاب العربي: أن المشكلة عندنا “محلية” أو “ثقافية”، بينما الغرب هو نموذج العدالة.
إبستين يقول العكس: النظام العالمي نفسه مبني على تفاوت في العدالة، وعلى شبكات حماية عابرة للحدود.
والدول التابعة لا تبتكر هذا المنطق، بل تستنسخه وتكيّفه محليًا.
خاتمة
الربط بين ملفات إبستين والسياق المغربي-العربي ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة سياسية. لأنه يذكّرنا بأن معركة العدالة ليست معركة “أخلاق أفراد”، بل صراع مع بنية سلطة تُعيد إنتاج الإفلات من العقاب بأشكال مختلفة.
وما لم يتحول الغضب من الفضائح إلى مساءلة للمنظومة،
ستظل الملفات تُغلق، والأسماء تُمحى، والضحايا يُطلب منهم انتظار عدالة… لا تأتي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن