قصة قصيرة: مواطن نموذجي (نسخة مُحدَّثة)

سعد بن علال
2026 / 2 / 8

وُلدتُ مواطنًا نموذجيًا قبل أن أفهم معنى الوطن.
قَطعوا حبلي السُّري بالمقصّ نفسه الذي تُقصّ به الخطب، وقال الطبيب لأبي:
– «مبروك، سيعيش طويلًا… لأنه لن يزعج أحدًا».
في البيت، تعلّمتُ أن الله يرى كل شيء، لكن لا يتدخل.
وفي المدرسة، تعلّمتُ أن الوطن يرى كل شيء، ويتدخل دائمًا… عندما لا يجب.
أبي ربّاني على قاعدة ذهبية: «الحقيقة مثل الأسنان، لا تُظهرها في الأماكن الرسمية».
وأمي كانت تضيف وهي تُشعل البخور: «الله مع الصابرين، لا مع الفضوليين».
كبرتُ.
في العمل، عيّنوني “مسؤول صمت”.
وظيفتي كانت بسيطة: أهزّ رأسي في الاجتماعات، وأصفّق قبل انتهاء الجملة، وأوقّع دون قراءة، ثم أشكر الإدارة على الفرصة.
كل يوم، يعلّقون صورة القائد أعلى قليلًا، حتى نُصلي له ونحن جالسون.
في الانتخابات، صوّتُّ ضدّ ضميري.
في الجمعة، دعوتُ ضدّ عقلي.
وفي البيت، اعتذرتُ عن كل شيء… حتى عن وجودي.
ذات مساء، سألتُ نفسي سؤالًا خطيرًا: «ومتى أعيش؟»
ضحك الجميع.
المدير قال: «هذا السؤال خارج جدول الأعمال».
الإمام قال: «الأسئلة بدعة».
أبي قال: «نحن عشنا قبلك ولم نمت».
في اليوم التالي، وصلني بريد رسمي: تمت ترقيتك إلى درجة أعلى من الصمت.
سلّموني شهادة، وصورة، وتابوتًا صغيرًا.
قالوا لي بابتسامة وطنية: «لا تقلق، أنت لم تمت… أنت فقط صرتَ مثالًا يُحتذى».
ومنذ ذلك اليوم، أشارك في كل الجنازات… بصفتي المتوفّى الوحيد الحاضر.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن