المسرح العربي بين الوافد والموروث: قراءة في النشأة والتحولات وسؤال المرجعية

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 5

يؤرخ معظم الباحثين للمسرح العربي بوصفه فنًا وافدًا من الغرب، وهي حقيقة يكاد يجمع عليها الدارسون. وفي هذا السياق يذهب زكي طليمات إلى تقسيم تطور المسرح العربي إلى أربع مراحل أساسية: مرحلة الاستقبال أو الاستيراد (1870–1900)، حيث كانت العروض منقولة عن الخارج، تلتها مرحلة الاستقرار أو “الهضم”، ثم مرحلة الأصالة، وأخيرًا مرحلة الثورة.
وفي المرحلة الأولى لم يكن الاهتمام منصبًّا على النصوص المسرحية بقدر ما كان على العرض ذاته، كما كانت المرويات الشفوية والكتابات الصحفية المبكرة تقتصر على المدح أو الذم، وهي مصادر لا يُعوَّل عليها تاريخيًا. ثم جاءت المطبوعات بعد ظهور الطباعة، لكنها ظلت خاضعة للتعديل والتحوير. لذلك يُعدّ النص المسرحي المطبوع المرجع الأوثق في كتابة تاريخ المسرح العربي.
ويرجَّح أن أول نص مسرحي مترجم إلى العربية ظهر في حدود عام 1870، وبذلك يمكن تحديد بداية المسرح العربي الحديث، الذي بدأ في لبنان ثم انتقل إلى سوريا فمصر. ويؤكد هذا الطرح التاريخي أن رواد المسرح الأوائل كانوا في معظمهم من بلاد الشام، ومنهم جورج أبيض الذي أسس فرقة مسرحية انضم إليها لاحقًا كبار الرواد مثل يوسف وهبي، وعبد الوارث عسر، وحسن فايق، ثم توالت بعد ذلك الفرق المسرحية كفرقة يوسف وهبي، وعزيز عيد، وفاطمة رشدي، وعلي الكسار.
وقد كان الجيل الأول من المسرحيين، وعلى رأسهم يوسف وهبي وفاطمة رشدي، يقومون بأدوار المؤلف والممثل والمخرج في آن واحد، قبل أن يحدث لاحقًا فصل بين هذه الوظائف. كما نقل يوسف وهبي نحو تسعين مسرحية عن الغرب دون أن ينسبها إلى نفسه، وهو ما يكشف طبيعة المرحلة التي اتسمت بالاقتباس المباشر.
وكانت الأعمال المسرحية في بداياتها تُؤدَّى بلغة خاصة، إذ جسدت شخصيات من العصور الوسطى أو التاريخ القديم مثل هاملت والحجاج بن يوسف الثقفي، وهي نصوص تتطلب أسلوبًا معينًا في الإلقاء والأداء. وفي هذا السياق يقول عبد الوارث عسر إن النصوص التي تمثل تلك العصور تحتاج إلى لغة خاصة وأسلوب خطابي ملائم لطبيعتها التاريخية.
وبوجه عام، كانت معظم الأعمال المسرحية الأولى منقولة عن الغرب، وهو ما يعكس كون المسرح فنًا غريبًا عن البيئة العربية التقليدية التي عُرفت بالشعر أكثر من الدراما. ويختلف هذا عن تجربة سعد الله ونوس، الذي كان يعرب بعض المسرحيات ويعيد كتابتها ثم ينسبها إلى نفسه، وكذلك وحيد حامد الذي نقل بعض الأعمال الغربية وقدّمها بوصفها إنتاجًا ذاتيًا، كما أن علي سالم، صاحب مسرحية مدرسة المشاغبين، اعتمد على نصوص غربية أُعيد تقديمها في قالب عربي.
ثم جاء جيل الستينيات، الذي شهد تحولات فكرية وفنية عميقة، خاصة بعد هزيمة 1967، حيث بدأ المسرحيون ينقلبون على الخطابات الاشتراكية السائدة ويتجهون إلى رؤى أكثر نقدًا واحتجاجًا على الواقع السياسي والاجتماعي.
وبعد ذلك ظهر ما يُعرف بجيل “الدكاترة”، ومن أبرزهم سعد أردش، الذي قدم قراءات جديدة لأعمال برتولت بريخت، وأسهم في إدخال تقنيات المسرح الملحمي والتجريب السردي إلى المسرح العربي، بما يعكس انتقال التجربة المسرحية من مرحلة النقل والاقتباس إلى البحث عن أشكال تعبير أكثر وعيًا بذاتها وبسياقها الثقافي.
ويبقى السؤال الأخلاقي مفتوحًا في خاتمة هذا المسار التاريخي: إذا كان المسرح العربي قد نشأ بوصفه فنًا وافدًا من الغرب، فهل يعني ذلك بالضرورة استيراد المنظومة القيمية الغربية المصاحبة له؟ أم أن التلقي الواعي يقتضي الانتقاء، بحيث نأخذ من هذا الفن أدواته الجمالية والتقنية فقط، مع إعادة توطينه داخل أطرنا المرجعية والثقافية الخاصة؟ إن هذا السؤال لا ينتمي إلى حقل التأريخ فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة العلاقة بين الحداثة والهوية، وبين الاستفادة من منجز الآخر والحفاظ على الخصوصية الحضارية، وهو ما يجعل المسرح العربي، حتى اليوم، ساحة مفتوحة للتفاوض بين الوافد والموروث.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي