|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2026 / 2 / 4
لم تكن قضية Jeffrey Epstein مجرّد واقعة جنائية معزولة يمكن احتواؤها في إطار المحاكم والملفات، ولا فضيحة أخلاقية عابرة تُطوى بمرور الزمن، بل شكّلت لحظة انكشاف حضاري عميقة، سقطت فيها الأقنعة التي طالما أخفت التناقض بين الخطاب والممارسة. فقد كشفت هذه القضية عن عالمٍ موازٍ تُدار فيه الجريمة بوصفها جزءًا من بنية القوة، ويتحوّل فيه المال والنفوذ إلى أدوات لتعطيل العدالة، بينما تُزيَّن الواجهة الخارجية بشعارات براقة عن الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن خطورة هذه القضية لا تكمن في الفعل الإجرامي وحده، بل في تحوّله إلى منظومة منظَّمة ومحمية. فنحن لا نتحدّث عن شخص منحرف تصرّف خارج السياق، بل عن شبكة متكاملة: استدراج ممنهج، صمت مُشترى، غطاء قانوني غامض، وإفلات متكرر من المساءلة. لقد استمر هذا السلوك لسنوات طويلة، داخل دول تدّعي حماية القيم العالمية، ما يكشف خللًا بنيويًا في منظومة العدالة حين تصطدم بالمال والسلطة.
وحتى هذا السلوك الفاجع، بهذه الصورة المؤسسية الوقحة، لم يُسجَّل في زمن قوم لوط ولا حتى في عصر الجاهلية. ليس من باب المقارنة الدينية المباشرة، بل من زاوية أخلاقية تاريخية. ففي تلك الأزمنة، على ما فيها من انحرافات، ظلّت الجريمة فعلًا مدانًا، لا نظامًا محميًا. لم تكن تُدار عبر جزر مغلقة ولا بطائرات خاصة، ولم تكن تُشرعن بالقانون أو تُغطّى بالصمت الرسمي. الفارق هنا ليس في طبيعة الخطيئة، بل في تحويلها إلى ممارسة مألوفة داخل بنية السلطة الحديثة.
الأشدّ سقوطًا من الجريمة ذاتها هو ازدواجية الخطاب التي أحاطت بها. فهؤلاء الذين يرفعون رايات الإنسانية، ويتحدّثون عن الرحمة، ويتباكون على حقوق الحيوان، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم أوصياء على الديمقراطية والأخلاق، هم أنفسهم الذين صمتوا حين استُبيحت الطفولة، وحين جرى الاتجار بالبراءة، وحين حُميت الجريمة بدل أن تُواجَه. إنها ازدواجية فاضحة تُفرغ القيم من مضمونها، وتحوّلها إلى أدوات دعائية تُستخدم سياسيًا وتُهمَل أخلاقيًا.
أيّ إنسانية هذه التي تُنقذ الحيوان أمام عدسات الإعلام، وتترك الإنسان يُسحق في الظل؟
وأيّ ديمقراطية تلك التي تحمي الجلّاد أكثر مما تحمي الضحية؟
وأيّ حضارة تُقدّس الشعارات، وتدوس الكرامة الإنسانية حين تصبح عبئًا سياسيًا؟
إن الديمقراطية، حين تفقد بعدها الأخلاقي، تتحوّل من قيمة تحرّرية إلى قناع ناعم لتبرير الصمت وإدارة التواطؤ.
ثم جاءت النهاية الغامضة داخل السجن لتضيف طبقة جديدة من الشك. لم يكن موت إبستين نهاية للقضية، بل بدا وكأنه قتل للحقيقة قبل أن تُقال كاملة. فقد غاب المتّهم، لكن الشبكات لم تُفكَّك، والأسماء الكبرى لم تُحاسَب، والملفات الجوهرية بقيت بعيدة عن الضوء. وهكذا تحوّل الحدث إلى مثال صارخ على مأزق العدالة الحديثة حين تُواجه منظومات النفوذ.
إن الحضارات لا تُقاس بالتقدّم التقني ولا ببلاغة الخطاب السياسي، بل بقدرتها على حماية الأضعف، ومحاسبة الأقوى، وصيانة الكرامة الإنسانية دون انتقائية. وحين تعجز حضارة عن حماية أطفالها، ثم تخرج لتمنح العالم دروسًا في الأخلاق، فإنها تسقط أخلاقيًا قبل أن تسقط سياسيًا، وتفقد حقّها في الوصاية والوعظ.
هذا النص ليس خطاب كراهية ولا دعوة إلى الانتقام، بل موقف أخلاقي نقدي في مواجهة نفاق حضاري منظّم. فحين تتحوّل الجريمة إلى سياسة، والفساد إلى نظام، والصمت إلى شراكة، يصبح الكلام مسؤولية، ويغدو الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ ضد الإنسان.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |