من الكرامة إلى الفاتورة؟ محاولة خطيرة لإفراغ الثورة من معناها

كرم خليل
2026 / 2 / 4

حين تختزل الثورة بفواتير: الدفاع عن المعنى في زمن الغلاء

تطلق اليوم دعوات للتظاهر تحت شعار «تصحيح المسار»، على خلفية فواتير الكهرباء وغلاء المعيشة، في مشهدٍ يوحي وكأن الثورة السورية قامت من أجل هذا السبب وحده. هذا الخلط ليس بريئاً، ولا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد غضب عابر، لأن ما يمس هنا ليس سعر خدمة، بل معنى ثورة.

لا جدال في أن الغلاء موجع، وأن الضغط الاقتصادي يُنهك الناس ويستنزف قدرتهم على الاحتمال. معاناة السوريين اليوم حقيقية، عميقة، وممتدة عبر سنواتٍ من الحرب والتدمير والحرمان. تجاهل هذا الألم أو التقليل منه خطأ أخلاقياً وسياسياً، ولا دولة يمكن أن تستقر دون معالجةٍ عادلة وجدية للملف المعيشي.

لكن في المقابل، لا يجوز القبول بتحويل هذه المعاناة إلى أداةٍ لإعادة تعريف الثورة أو تفريغها من جوهرها. الثورة لم تكن يوماً ثورة خدمات، ولا حركة احتجاجٍ على فواتير أو عدّادات. كانت ثورة كرامة وحرية وسيادة، ثورة شعب قرر كسر نظامٍ استبدادي، ودفع ثمن هذا القرار اعتقالاً ودماً وتهجيراً.

من خاض الثورة فعلاً، لا يختزلها اليوم بمطلبٍ معيشي ظرفي، ولا يقيسها بلحظة ضغطٍ اقتصادي. الثائر الحقيقي فرح بانتصاره على الأسد، ويُدرك أن بناء الدولة بعد الخراب ليس مساراً سهلاً ولا فورياً، بل عملية ثقيلة تتطلب وقتاً وجهداً وصبراً ومسؤوليةً وطنية عالية.

المطالب المعيشية حق مشروع لا نقاش فيه، بل هي واجب على الدولة تجاه مواطنيها. لكن هذا الحق يناقش ويعالج ضمن مؤسسات الدولة ومساراتها، لا عبر جرّ الثورة إلى ساحة الابتزاز الرمزي، ولا عبر إعادة هندسة معناها لتصبح مجرد أداة ضغط ظرفي.

الخطر الحقيقي لا يكمن في فاتورة كهرباء، بل في طمس الذاكرة الوطنية، وفي محاولات العبث بمفاهيم الثورة وتحويلها من فعل تحرّرٍ تاريخي إلى احتجاجٍ موسمي. من يفعل ذلك لا يُصحّح مساراً، بل يعتدي على جوهر الثورة ويُقوّض الوعي السيادي الذي قامت عليه.

الدفاع عن معيشة الناس واجب، والدفاع عن معنى الثورة واجب أكبر. وبين الواجبين، لا تناقض… إلا في عقول من لم يفهم الثورة يوماً، أو يحاول اليوم مصادرتها

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي