|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جبار قادر
2026 / 2 / 4
عاش الكرد قرونًا طويلة، ومرّوا بمحطاتٍ صعبة وكارثية، حفرت تاريخهم بدمائهم وآلامهم. ومع كل انتصارٍ يحقّقونه، تُخلّد اللحظات وتظل ماثلة في ذاكرة الأجيال، لكن سرعان ما تتبدد تلك اللحظات في زوابع التنازع على الفضل والمجد. شعبٌ يلتفّ حول مكاسب صغيرة، وقيادةٌ تتبارى لتسجل انتصاراتها على المنابر، حتى ولو كانت مجرد لحظات سكون عابرة، تتبعها رياحٌ عاتية تضعفها وتبددها. ما إن يحقق الكرد مكسبًا ضئيلًا حتى يغرقوا في تفاصيله، يتسابقون لتحديد من كان صاحب الفضل فيه، ومن الأجدر بالتقدير، ومن هو الأكثر جدارة برفع راية "النصر" عالية؟ وكأنهم أطفالٌ في ساحة المدرسة، يتنازعون على لعبةٍ بسيطة، غافلين عن حقيقةٍ أساسية وهي أن المعركة الحقيقية ليست في "من فاز"، بل في كيفية البقاء في الميدان.
أما إذا حلت الهزيمة، مهما كانت صغيرة، تهتز القلوب وتتبدل النفوس، وتتجلى تلك اللحظات من الانكسار العميق الذي يصيب الروح الكردية. في لحظةٍ واحدة، يُسحب الأمل ليغرق الشعب في بحرٍ من اليأس والتردد. كم من مرةٍ قد تبجَّل فيها النصر الكردي العظيم، ليجد نفسه في محطات الهزيمة أمام أبسط الرياح؟ فكيف يمكن لشعبٍ واجه مئات السنين من القمع أن يحافظ على توازنه أمام التحديات الكبرى، وهم لم يتعلموا بعد أن النصر لا يدوم إلا بالصبر، وأن الهزيمة لا تفتك إلا بمن يظن أن السقوط هو النهاية؟. هذا التذبذب السريع بين النشوة والهزيمة يشير إلى حالةٍ نفسيةٍ مضطربة، تتجذر في قلوب من عاشوا صراعًا مستمرًا بين الأمل المفرط واليأس المتراكم. في كل مرةٍ يحقق الكرد مكسبًا، يتساءلون: هل هو بداية التغيير؟ أم مجرد وهمٍ جديد؟ بدلًا من أن يثبّتوا خطواتهم على الأرض الثابتة، يرفعون رؤوسهم إلى السماء، يترقبون معجزة تنقذهم من مستنقع الصراع المستمر. وفي هذا التقلّب العاطفي، لا ينجو الزعماء الكرد من التنازع على الفضل، تمامًا كما لا يسلم الشعب من هذا الخلط بين الحقيقة والوهم. بينما يتدافع الكرد لتحديد من هو الأجدر بالتمجيد، يندفع القائد الكردي ليؤكد دوره في الانتصار، وعندما تأتي أول هزيمة، يجد نفسه وحيدًا في مواجهة عاصفة الفشل، تتهاوى هيبته، وتنقلب الثقة في قدرته على القيادة، على الرغم من أن الحقيقة تبقى ثابتة: لا القائد وحده يحدد مصير شعبه، ولا الشعب وحده يقرر مسار تاريخه.
كيف يمكن لشعبٍ عاش طويلاً بين النشوة والهزيمة أن يواجه تحديات العصر؟ وكيف لقائدٍ تعوّد على تقلبات الفرح والحزن أن يقودهم إلى بر الأمان؟ الفضل في النصر ليس ملكًا لفردٍ واحد، بل هو نتاجُ وحدة فكرية، وعملٍ جماعي منسجم. القيادة الحقيقية لا تُقاس باللحظات التي يرتفع فيها العلم الكردي فوق القمم، بل بتلك اللحظات التي يقف فيها القادة مع شعبهم في سفوح الجبال، يواجهون الرياح العاتية، متحدين في السعي نحو الأفق البعيد.
إن لم تتعلم الأمة الكردية من تجاربها الصغيرة، ولم تعرف كيف تصبر على الهزائم، ستظل دائمًا محاصرة في دوامة التذبذب العاطفي، تتداعى أمام أول اختبار. والقيادة التي لا تعترف بقيمة اللحظات الصغيرة، وتغلب نفسها على الزهو بالنصر ولا تنهار أمام أول بادرةٍ من الهزيمة، ستظل عابرة، كأنها سرابٌ في صحراء الفكر. ليعلم الشعب الكردي أن النصر لا يُبنى بالتعجل ولا يُحتفظ به بسهولة، وأن الهزيمة لا تفتك إلا بمن يرون فيها نهاية الطريق. القيادة الحقيقية هي السعي الثابت، في رياح النصر والهزيمة معًا، وفي القدرة على البقاء متماسكًا في أوقات الفشل كما في أوقات النجاح