|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله سلمان
2026 / 2 / 4
ما يجري اليوم في الإقليم ليس مسألة مبادئ أو دفاعًا صادقًا عن سيادة الدول بل اختبارًا فاضحًا لازدواجية المواقف العربية والاقليمية.
حين كان العراق يُساق إلى الاحتلال فُتحت الأجواء وسُكّت الطرق وسُوّغ الدمار بخطابات الخوف والتبرير ولم تُسمع يومها أصوات تحذير ولا وساطات ولا دعوات لضبط النفس.
اليوم ومع أي تهديد لإيران تستيقظ العواصم فجأة على يقظة أخلاقية وتتسابق للضغط والوساطة ومنع الضربة وكأن ويلات الحروب تُكتشف للمرة الأولى.
السؤال هنا لماذا يُدافع عن إيران؟ وأين كان هذا الحرص حين سُحق العراق؟
وأي منطق سياسي جعل من بغداد ساحة مفتوحة ومن طهران خطًا أحمر؟
هل تغيّرت المفاهيم أم تغيّرت الحسابات أم أن الدم العربي كان وما يزال الأرخص؟
ولعلّ ما يفضح ذهنية تلك المرحلة رواية متداولة في أروقة السياسة الدولية حين سُئل مسؤول عربي بارز من بوش الصغير عن سبب إطالته لحيته فأجابه ساخرًا" كيف أحلقها والعراق لم يُستهدف بعد"؟
جملة قيلت على سبيل المزاح لكنها تختصر مزاجًا سياسيًا كاملًا كان فيه العراق مُدرجًا سلفًا على جدول الاستهداف ومهيّأً نفسيًا وسياسيًا ليكون الضحية من دون اعتراض عربي يُذكر ولا قلق أخلاقي ولا استنفار إقليمي يشبه ما نراه اليوم.
المفارقة اليوم تزداد وضوحًا حين نرى التحرّك العربي المحمود لدعم وحدة سوريا والسعي إلى تفاهمات إقليمية والاتفاق مع تركيا لمنع التقسيم واستعادة الدولة. هذا جهد يُحسب ويُشكر ويُفترض أن يكون نموذجًا لاحترام سيادة الدول.
لكن السؤال البديهي يبقى: لماذا لا يُقاس العراق بالميزان نفسه؟
ألم يكن العراق من مؤسسي الجامعة العربية؟ ألم يكن حاضرًا في لحظة التأسيس لا تابعًا ولا هامشًا بل دولةً ساهمت في صياغة الفكرة والهوية والمشروع؟
ألم يقدّم من دم أبنائه واقتصاده واستقراره تضحيات كبرى في حروب العرب وقضاياهم، من فلسطين إلى غيرها حين كان يعتبر أن أمن الأمة كلٌّ لا يتجزأ؟
العراق لم يكن عبئًا على محيطه بل تاريخ وحضارة وهوية دولة تحمل من الإرث ما يكفي ليكون سبب فخر لا سبب إهمال مع ذلك حين سقط، سقط وحيدًا.
وحين انهارت دولته بفعل الاحتلال لم تُستدعَ ذاكرته ولا تاريخه ولا تضحياته وكأن كل ما قدّمه صار عبئًا منسيًا لا دينًا في أعناق من صمتوا.
إن تجاهل معاناة العراق اليوم ليس فقط خطأً سياسيًا بل تنكّرًا لتاريخٍ عربي مشترك وقطعًا فجًّا مع فكرة التضامن التي قامت عليها الجامعة العربية أصلًا.
فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه اليوم بل بما قدّمته حين كان العطاء مكلفًا والعراق كان ولا يزال من أكثر من دفعوا الثمن.
العراق لا يواجه الان أزمة سياسية عابرة بل واقعًا مفروضًا بقوة سلاح مليشيات إيران حيث تُصادر الدولة ويُختطف القرار ويُترك الشعب تحت هيمنة هذه المليشيات من دون ضغط عربي حقيقي ولا وساطات ولا اعتبار لما يجري خطرًا إقليميًا يستحق التحرك.
فإن كانت وحدة سوريا خطًا أحمر فلماذا لم تكن وحدة العراق كذلك؟
وإن كان التدخل الخارجي مرفوضًا هناك، فلماذا يُدار بالصمت عن العراق؟
هذا المقال ليس موجّهًا ضد دولة ولا دفاعًا عن محور بل عتاب صريح على صمت عربي طويل وعلى سياسة تكيل بمكيالين.
فالصمت عن معاناة العراقيين ليس حيادًا بل موقف وتجاهل العراق لا يمكن تبريره بالمصالح ولا تغليفه بالحسابات.
ويبقى السؤال الذي لا يريد أحد مواجهته، لماذا العراق؟
لماذا كان وحده القابل للاحتلال وحده القابل للاختراق وحده القابل لأن تُصادر دولته ويُترك شعبه بلا سند؟
إلى أن تتم الاجابة عن هذا السؤال بصدق سيظل الحديث عن السيادة ووحدة الدول خطابًا منقوصًا، لا يقنع الشعوب ولا يصمد أمام التاريخ.
فالتاريخ لا ينسى من صمت ولا يرحم من كَالَ بمكيالين، والأيام دول .
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |