|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

محمد عبيدو
2026 / 2 / 4
في مساء الثلاثاء 3 فبراير 2026، أسدل الستار على تجربة سينمائية مغربية مميزة برحيل المخرج والسيناريست محمد عهد بنسودة عن عمر ناهز 56 سنة، بفرنسا، إثر وعكة صحية مفاجئة، مخلفًا صدمة عميقة في الوسط الفني وبين كل من تابع مسيرته الهادئة والراقية، بما حملته من حس جمالي وإنساني خاص.
وُلد بنسودة بمدينة تطوان يوم 17 يوليو 1969، وشكّل مساره الأكاديمي ركيزة أساسية في مشروعه الفني؛ إذ درس التاريخ والأدب الفرنسي بكلية الآداب بفاس، قبل أن ينتقل إلى فرنسا حيث تابع تكوينه في الإخراج السينمائي بجامعة السربون بباريس، وحصل أيضًا على شهادة في تاريخ الفن وعلم الآثار. هذا التكوين المتعدد انعكس بوضوح على أفلامه التي اتسمت بعمق ثقافي ورؤية جمالية دقيقة.
امتد تأثير الراحل إلى مجالات متعددة، شملت السينما الروائية، والإنتاج التلفزيوني، والفيلم الوثائقي. ومن بين أعماله الوثائقية البارزة فيلم «نظرية أرخميدس»، كما أسهم في إخراج أعمال لعدد من المخرجين العالميين، من بينها «سحر أمستردام» و*«مالينا»*. وقد تُوّجت مسيرته بعدة جوائز، من أبرزها جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان روتردام الدولي للفيلم سنة 2010، وجائزة مماثلة في مهرجان مسقط الدولي للفيلم.
في أول أفلامه الطويلة «موسم المشاوشة»، عبّر بنسودة عن رغبته في استلهام تراث مدينة فاس في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، دون الوقوع في المباشرة التاريخية، مقدّمًا عملًا يشتغل على الذاكرة والفضاء والإنسان. كما أنجز فيلمًا تلفزيونيًا مستوحى من قصيدة «حمان الخربيطي» في فن الملحون، في تأكيد جديد على انشغاله بالتراث المغربي بوصفه مادة فنية حيّة.
ارتبط اسم محمد عهد بنسودة بأعمال ذات حس اجتماعي وإنساني، تطرح أسئلة العلاقة بين السلطة والعزلة، وبين الفرد والتحولات القسرية التي تفرضها المواقع الاجتماعية. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم «البحث عن السلطة المفقودة» (2017)، الذي شارك في مهرجان وهران للفيلم العربي، وبطولة عز العرب الكغاط ونفيسة بنشهيدة. يستلهم الفيلم، على نحو غير مباشر، رواية «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، ويروي حكاية جنرال يعيش أيامه الأخيرة في السلطة داخل فيلا معزولة بمدينة فاس، محاطًا بخادمته وحراسه العسكريين، في فضاء مغلق يعكس هشاشة السلطة ووحدتها.
ويغوص الفيلم في التحولات النفسية لزوجة الجنرال، وهي مغنية وعازفة بيانو اعتادت حياة فنية واجتماعية منفتحة، قبل أن تجد نفسها أسيرة عزلة صارمة داخل أسوار الفيلا. ورغم توفر كل شروط الرفاه المادي، تتفاقم أزمتها النفسية، فتبحث عن الخلاص عبر الموسيقى والعلاقات الإنسانية، إلى أن تقودها حادثة سير إلى مزيد من التعقيد والاختناق الوجودي.
ومن آخر محطات مسيرته البارزة، إخراجه لفيلم «مطلقات الدار البيضاء» (2023)، الذي تناول قضايا اجتماعية شائكة بجرأة وحساسية، ونال جائزتي الإخراج وأفضل إدارة للممثل في المهرجان الدولي للفنون والسينما في أثينا، كما شارك في مهرجان كان السينمائي، مؤكّدًا حضوره الدولي المتزايد.
برحيل محمد عهد بنسودة، تفقد السينما المغربية صوتًا هادئًا وعميقًا، اشتغل على الإنسان في هشاشته وأسئلته، وعلى الصورة بوصفها مساحة للتأمل لا للضجيج. هو مخرج آمن بأن السينما ليست استعراضًا، بل بحثٌ دائم عن المعنى، وعن الجمال الكامن في التفاصيل المنسية. رحل مبكرًا، لكن أثره سيبقى حاضرًا في الذاكرة السينمائية المغربية والعربية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |