المقالة الثالثة: من اليهودية إلى الصهيونية — كيف تحوّل الدين إلى قومية سياسية؟ قراءة نقدية في الجذور الأوروبية لتحوّل الهوية اليهودية

يحي عباسي بن أحمد
2026 / 2 / 3

المقدمة
تنتمي اليهودية تاريخياً إلى أقدم الديانات التوحيدية، ذات تراث ديني وفقهي ولغوي يمتدّ لقرون طويلة. وقد عاشت الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي والمسيحي قروناً بوصفها جماعات دينية لها موقع اجتماعي متباين حسب البيئة السياسية. لكنّ التحوّل الذي حدث في أوروبا القرن التاسع عشر — حين ظهرت الصهيونية — لم يكن امتداداً لتاريخ اليهودية، بل كان تحوّلاً جذرياً في معنى “اليهود” من جماعة دينية إلى جماعة قومية ذات مشروع سياسي مستقل.
وتمثّل هذه اللحظة التحولية ذلك الانعطاف التاريخي الذي ألّف بين عوامل الحداثة الأوروبية، والقوميات الصاعدة، والمسألة اليهودية، والصراع الدولي، لتنتج حركة سياسية جديدة: الصهيونية.
تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذا التحول عبر:
الجذور الأوروبية القومية.
تحولات الهوية اليهودية.
نشوء “المسألة اليهودية”.
نشأة الحركة الصهيونية كحل قومي سياسي.
موقف التيارات اليهودية التقليدية والحديثة من الصهيونية.
لنثبت أن الصهيونية لم تكن “عودة إلى الذات اليهودية”، بل صناعة أيديولوجية حديثة انفصلت عن الدين.
أولاً: أوروبا القرن التاسع عشر — البيئة التي أفرزت الصهيونية
1. صعود القوميات الأوروبية
شهد القرن التاسع عشر انفجار الحركات القومية في:
ألمانيا
إيطاليا
بولندا
المجر
وكانت القومية تُعرّف الجماعة على أساس:
اللغة
الثقافة
الأرض
التاريخ المشترك
وهذا النموذج القومي الأوروبي وضع اليهود — كأقليات دينية موزعة — أمام سؤال:
هل اليهود “أمة” أم “طائفة دينية”؟
2. الحداثة والعلمنة
مع تراجع المسيحية السياسية، بدأت الدول الحديثة تفصل بين:
المواطنة = رابطة سياسية
الدين = رابطة شخصية
لكن هذا التحول لم يستفد منه اليهود بالكامل بسبب استمرار التحيّزات ضدهم.
3. الثورة الصناعية وتصاعد المدن
تركز اليهود في المدن الأوروبية للعمل في التجارة والخدمات، ما أدى إلى:
زيادة الاحتكاك
صعود خطاب كراهية
اتهام اليهود بالسيطرة الاقتصادية (أسطورة لا أساس علمي لها)
وتفاقمت الأحداث لاحقاً في شكل مظاهر معاداة لليهود.
ثانياً: المسألة اليهودية — سؤال الاندماج أم الانفصال؟
1. أزمة الهوية
كان اليهود في أوروبا يواجهون سؤالاً مصيرياً:
هل هم أتباع ديانة داخل شعوب مختلفة؟
أم أنهم “شعب” بحاجة إلى وطن؟
2. الاندماج والمواطنة
اتجاهات يهودية كثيرة — خصوصاً في ألمانيا وفرنسا — دعت إلى:
الاندماج الكامل
إصلاح اليهودية لتتلاءم مع الدولة الحديثة
التخلي عن العزلة التقليدية
ظهر التيار الإصلاحي (Reform Judaism) الذي اعتبر اليهودية:
ديناً لا قومية.
3. فشل الاندماج وصعود الكراهية
على الرغم من محاولات الاندماج، استمرت أشكال مختلفة من الاضطهاد، أبرزها:
حوادث روسيا القيصرية (Pogroms)
قضية دريفوس في فرنسا 1894
وقد شكّلت هذه الأحداث أرضية لظهور فكرة قومية جديدة.
ثالثاً: بروز الصهيونية — أمة جديدة قيد التشكيل
1. ثيودور هرتزل: الأب المؤسس
في كتابه الدولة اليهودية (1896)، اقترح هرتزل:
تحويل اليهود من جماعة دينية إلى قومية
تأسيس وطن قومي لهم
اختيار فلسطين بوصفها “رمزاً دينياً وتاريخياً”
لكن هرتزل نفسه كان علمانياً، ولم يبنِ مشروعه على أساس ديني؛ بل على أساس قومي–سياسي.
2. صهيونية أوروبا الشرقية
تبنّى يهود روسيا وبولندا الفكرة لأسباب مختلفة:
الفقر
الاضطهاد
القومية السلافية المتشددة
فأصبحت الصهيونية بالنسبة لهم “خلاصاً دنيوياً”.
3. الصهيونية ليست امتداداً لليهودية
الحاخامية التقليدية (Orthodox Judaism) رفضت الصهيونية بشدة لأنها:
تُقيم دولة قبل “المسيح المنتظر”
تُخضع الدين للسياسة
تُعتبر حركة علمانية تُخالف الشريعة اليهودية
ولا تزال طوائف يهودية واسعة تعارضها حتى اليوم.
رابعاً: التوراة كرمز قومي — لا ديني
1. بداية التوظيف السياسي
لم يكن هدف الصهيونيين الأوائل إحياء الدين، بل استخدام رموزه:
داود الملك
الهيكل
“شعب إسرائيل”
“أرض الميعاد”
وتم تحويلها في الخطاب السياسي إلى أساطير قومية.
2. بن غوريون: الدين بوصفه "أسطورة مؤسسة"
قال بن غوريون: “التوراة كتابنا القومي.”
وكان يقصد بذلك التاريخ القومي المتخيل لا الدين.
3. التوراة كمصدر شرعية دولية
استخدم الصهاينة النص التوراتي في:
مفاوضات الانتداب
مؤتمر باريس
الخطاب الغربي
تأسيس “حق تاريخي”
وهذا الاستخدام كان سياسياً وليس دينياً.
خامساً: لماذا نجحت الصهيونية؟ — العوامل البنيوية
1. دعم القوى الاستعمارية الأوروبية
وعد بلفور (1917) لم يكن نتيجة ورع ديني بريطاني، بل:
مصالح جيوسياسية
رغبة في إنشاء قاعدة موالية
التحكم بخطوط التجارة الشرقية
2. تفكك الدولة العثمانية
الفراغ السياسي سمح للهجرة والاستيطان بالتمدد.
3. توظيف الهويات الدينية
الصهيونية قدّمت نفسها في الغرب على أنها:
عودة اليهود إلى “وطنهم الروحي”.
وهذا الخطاب وجد قبولاً لدى القوى المسيحية الصهيونية (Christian Zionism).
سادساً: اليهودية بعد الصهيونية — دينان لا دين واحد
1. اليهودية التقليدية
ترى اليهودية التقليدية أن:
اليهودية دين عالمي
الوجود اليهودي ليس مشروطاً بالدولة
العودة إلى الأرض أمر أخروي
2. اليهودية الصهيونية
حولت اليهودية إلى:
قومية
هوية سياسية
دولة مسلحة
مشروع استيطاني
3. الشرخ الداخلي
اليوم هناك 4 اتجاهات رئيسية:
أرثوذكسية معادية للصهيونية
أرثوذكسية قومية
إصلاحية ترفض الدولة الدينية
علمانية صهيونية ترى الدين “تراثاً قومياً”
وبذلك يظهر أن الصهيونية ليست “اليهودية الحديثة”، بل سلطة سياسية فوق الدين.
الخاتمة
الصهيونية ليست استمراراً لليهودية، بل انفصالاً تاريخياً عنها.
هي وليدة قوميات أوروبا، ووليدة العلمنة، ووليدة صراع الهوية، ووليدة الاستعمار الحديث.
وفهم هذا التحول ضروري لفهم:
لماذا اتخذ المشروع الصهيوني شكله الاستيطاني
ولماذا تختلف الصهيونية جوهرياً عن اليهودية نفسها
ولماذا لا يمكن اختزال اليهود بالسياسة الإسرائيلية
قائمة المراجع
Ben-Gurion, D. (1969). The Bible as History and Power. Tel Aviv University Press.
Herzl, T. (1896). The Jewish State. Vienna.
Masalha, N. (2007). The Bible and Zionism. Zed Books.
Pappe, I. (2006). The Ethnic Cleansing of Palestine. Oneworld.
Sand, S. (2008). The Invention of the Jewish People. Verso.
Whitelam, K. (1996). The Invention of Ancient Israel. Routledge.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي