|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 2
شهد الدرس النقدي الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين تحوّلًا منهجيًا بارزًا مع بروز ما بعد البنيوية، التي جاءت ناقدة للتصور البنيوي الكلاسيكي القائم على النظر إلى النص بوصفه نسقًا مغلقًا مكتفيًا بذاته. فقد أعادت ما بعد البنيوية النظر في مفاهيم المعنى، والمؤلف، والمرجعية، مؤكدة أن النص بنية مفتوحة تتشكل دلالاتها من خلال علاقاتها بنصوص أخرى وسياقات ثقافية وتاريخية متعددة.
وفي هذا السياق برزت نظرية التناص بوصفها إحدى أهم إفرازات التفكير ما بعد البنيوي، وقد بلورتها جوليا كريستيفا في مقالتها الشهيرة «الكلمة، الحوار، والرواية» (Word, Dialogue and Novel)، المنشورة بين عامي 1966–1967م، ثم أُعيد نشرها ضمن أعمالها سنة 1969م. انطلقت كريستيفا من أفكار ميخائيل باختين حول الحوارية، لتؤكد أن النص لا يُنتج في فراغ، بل يتكون من شبكة من العلاقات مع نصوص سابقة أو معاصرة، بحيث يغدو كل نص نسيجًا من نصوص أخرى تحضر فيه بصور وتمثّلات جديدة.
ولا يقتصر التناص على الاقتباس المباشر أو النقل الحرفي، بل يشمل أنماطًا متعددة من التداخل النصي، مثل التضمين، والإحالة، والتلميح، والتحوير، وهو ما يجعل النص منفتحًا على أفق دلالي واسع. غير أن هذا التصور قوبل في بدايات تلقيه داخل النقد الأدبي العربي بشيء من التحفظ والرفض، إذ عُدّ في نظر بعض النقاد محاولة لتسويغ ما يُعرف بـ السرقات الأدبية تحت مسمى نقدي حديث.
إلا أن العودة إلى التراث النقدي العربي تكشف أن فكرة التداخل النصي ليست غريبة عن الثقافة العربية، وإن اختلفت المصطلحات والأطر النظرية؛ فقد عرف النقد العربي القديم مفاهيم متعددة مثل الاحتذاء، والاقتداء، والتأثير والتأثر، والتضمين، وهي مفاهيم تقوم في جوهرها على حضور نص في نص آخر، مع اختلاف في درجة القبول أو الرفض تبعًا لطبيعة الأخذ وكيفية التصرّف الفني فيه.
وقد عالج الدكتور محمد مصطفى هدارة هذه القضية معالجة نقدية وافية في كتابه «السرقات الأدبية»، حيث تتبع موقف النقد العربي القديم من السرقات الأدبية، مبيّنًا أنها كانت تُعدّ في الغالب عيبًا فنيًا، لا سيما إذا اقترنت بالنقل الحرفي أو بادعاء الأصالة، واستند في ذلك إلى أقوال عدد من النقاد، مثل عبد القاهر الجرجاني والآمدي، الذين ميّزوا بين الأخذ المذموم والأخذ المقبول القائم على التصرّف الفني وإعادة الصياغة.
ثم يرصد هدارة تحوّل هذا المفهوم في النقد الحديث، حيث لم يعد الأخذ من الآخرين يُنظر إليه بوصفه نقصًا في الإبداع، بل غدا – في ضوء المناهج النقدية الحديثة – دالًا على القدرة الفنية والتمكّن الإبداعي، إذا ما أُعيد توظيف المادة المأخوذة ضمن بنية جديدة تُنتج دلالات مغايرة. وهو ما يلتقي، من حيث الجوهر، مع مفهوم التناص في النقد ما بعد البنيوي، وإن اختلفت المرجعيات الفلسفية والمصطلحية.
وعليه، يمكن القول إن نظرية التناص تفتح أفقًا جديدًا لقراءة النصوص، يقوم على إعادة النظر في العلاقة بين النص ومرجعيته، ويؤكد أن الأصالة لا تتحقق بالقطيعة مع السابق، بل بالحوار الخلاق معه. ومن ثمّ فإن التناص لا يُلغي التراث النقدي العربي، بل يُعيد تأطيره ضمن رؤية نقدية حديثة، تجعل النص فضاءً تفاعليًا تتقاطع داخله المرجعيات الثقافية والتاريخية والدلالية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |