المقالة الأولى: بين الوحي والواقع… لماذا هذه السلسلة؟ قراءة في جذور الصراع بين النص الديني والتحولات الصهيونية

يحي عباسي بن أحمد
2026 / 2 / 2

المقدمة
يُعدّ الصراع العربي–الإسرائيلي واحداً من أكثر النزاعات تعقيداً في التاريخ الحديث، ليس بسبب تشابكه السياسي فحسب، بل بسبب جذوره العميقة الممتدة في النصوص الدينية، والذاكرة التاريخية، والبنى الأيديولوجية المتراكمة. وعلى الرغم من وفرة الأدبيات السياسية التي تناولت الاحتلال والاستيطان والديموغرافيا والمفاوضات، إلا أنّ العمق الفكري واللاهوتي للصراع يبقى هو الحلقة الأكثر إهمالاً في التحليل العربي.
إنّ فهم المشروع الصهيوني بوصفه “حركة سياسية” فقط، يغفل الجانب الذي أتاح له الشرعية داخل الوعي اليهودي والغربي: تديين السياسة، وإعادة توظيف التراث التوراتي بوصفه سند ملكية تاريخياً للأرض. وفي المقابل، فإنّ فهم “بني إسرائيل” في القرآن يحتاج إلى تحرير دقيق من الاستخدامات السياسية الحديثة، بعيداً عن التبسيط والخطاب الدعائي.
تهدف هذه السلسلة إلى سدّ هذه الفجوة المنهجية، عبر تقديم قراءة نقدية معمّقة في:
بنية التصور القرآني لبني إسرائيل
كيفية تحوّل اليهودية من ديانة إلى سياسة قومية
الآليات التي استخدمها المشروع الصهيوني لتحويل النصوص إلى شرعية استعمارية
تاريخ طمس الهوية الفلسطينية ونزع وجودها
البنية التمييزية داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلّة
تحليل المشروع الصهيوني في ضوء مفهوم الفساد القرآني ونبوءة الإسراء
المستقبل الممكن للصراع
هذه ليست سلسلة في “التاريخ السياسي”، بل رحلة في الفكر والهوية والدين.
أولاً: سؤال البداية… من الذي نتحدث عنه؟
عند قراءة الآيات القرآنية التي تتحدث عن بني إسرائيل، مثل قوله تعالى:"وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ..." (الإسراء: 4)
ثم مقارنة ذلك بالواقع السياسي المعاصر في فلسطين، يبرز سؤال منهجي محوري: هل هناك امتداد تاريخي بين "بني إسرائيل" في القرآن و"اليهود" المعاصرين؟

وهذا السؤال يقود إلى أسئلة فرعية:
هل اليهود المعاصرون هم الامتداد العرقي لبني إسرائيل فعلاً؟
الدراسات الجينية المعاصرة (Behar, 2010؛ Ostrer, 2012) تشير إلى تركيبة إثنية معقدة، وليس سلسلة نسب واحدة متصلة.
هل الصهيونية تمثل اليهودية أم أنها بدعة حديثة؟
الأبحاث اليهودية الكلاسيكية نفسها مثل Heschel, 1955؛ Buber, 1948 تميز بين الدين والقومية.
هل يمكن قراءة النص الديني بمعزل عن الاستخدام السياسي؟
هذه الأسئلة هي ما تدفع هذه السلسلة إلى كشف الخطابات المتصارعة حول الهوية، والنسب، والدين.
ثانياً: المفارقة القرآنية – امتياز مشروط أم تاريخ مطلق؟
يقدم القرآن نموذجاً فريداً في الحديث عن بني إسرائيل؛ فهو يجمع بين:
1. الامتياز الإلهي
“وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ” (الجاثية: 16)
2. المسؤولية والمحاسبة
“وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ…” (البقرة: 61)
3. المشروطية الأخلاقية
“إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنْفُسِكُمْ…” (الإسراء: 7)
وهذا التوازن القرآني يفصل بين:
اليهود كبشر
بني إسرائيل كجماعة رسالة تاريخية
الصهيونية كأيديولوجيا سياسية حديثة
وهذه نقطة لم يتم استثمارها عربياً كما يجب.
ثالثاً: الصهيونية بوصفها إعادة اختراع لليهودية
تظهر الوثائق التاريخية أنّ الصهيونية التي ظهرت في أوروبا القرن 19 لم تكن استمراراً لليهودية التقليدية. بل كانت في جوهرها:
حركة قومية أوروبية أثّرت عليها القوميات الألمانية والإيطالية
حركة علمانية بالكامل في بدايتها
حركة وُلدت من خوف أوروبا من اليهود وليس حبّاً لهم (مسألة اليهود، 1879)
مشروع تحالف استعماري مع القوى الغربية (وعد بلفور، 1917)
إنّ ما فعلته الصهيونية هو “إعادة توظيف” التراث الديني لإضفاء المشروعية على مشروع سياسي استيطاني، تماماً كما استخدم الأوروبيون “الحق الإلهي” لتبرير استعمار الأمريكتين.
رابعاً: فجوة السرديات — كيف صار الفلسطينيون “غير موجودين”؟
لتنجح الصهيونية في تسويق مشروعها، كان لا بد من تدمير الرواية المقابلة:
1. إنكار وجود شعب فلسطيني
الصهاينة الأوائل استخدموا شعار: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”
وهو ادّعاء يفنّده كل أرشيف الدولة العثمانية والانتداب البريطاني.
2. محو القرى والمدن 1948–1967
إزالة 531 قرية
تغيير آلاف الأسماء العربية
طمس المقابر والمواقع الأثرية
3. إنكار الهوية الثقافية
تحويل الأطباق، الأحجار المطرّزة، الأزياء، الأغاني… إلى “تراث إسرائيلي”.
هذه عملية إحلال حضاري لا يمكن فهمها دون فهم بنيتها الفكرية.
خامساً: مكانة هذه السلسلة في الخطاب العربي
هذه السلسلة جاءت لسدّ ثغرتين حقيقيتين في الفكر العربي:
أولاً: غياب التحليل الديني المقارن
الكتب العربية تتحدث عن:
الاحتلال، الاستيطان، المقاومة، الاتفاقيات.
لكنها نادراً ما تجيب عن سؤال:
كيف تحوّل نص ديني قديم إلى مشروع استعماري حديث؟
ثانياً: غياب التفكيك الأنثروبولوجي للمصطلحات
مثل: يهود، عبرانيون، بنو إسرائيل، صهاينة، مستوطنون، أشكناز، سفارديم
فكلها تُستخدم في الخطاب العربي ككتلة واحدة، وهذا خطأ.
سادساً: لماذا يحتاج القارئ العربي هذا النوع من الدراسة؟
لأنّ فهم الصراع عبر زاوية واحدة (السياسة أو المقاومة أو القانون الدولي) يجعل الوعي قاصراً. بينما التحليل المتعدد المستويات يخلق رؤية نقدية أعمق، أهمها:
فصل الدين عن الأيديولوجيا: لا يمكن مقاومة خطاب صهيوني يدّعي "الحق الإلهي" من دون تفكيك أساسه الفكري.
إعادة قراءة القرآن بمنهج علمي: لتحريره من التوظيف السياسي عند الأطراف كافة.
توضيح أنّ الصهيونية ليست اليهودية: وهذا جوهري سياسياً وأخلاقياً.
فهم البنية العنصرية للدولة الإسرائيلية: عبر مقارنتها بدول الاستيطان التاريخية (جنوب إفريقيا، أستراليا، أمريكا).
سابعاً: لماذا تبدأ السلسلة من “بني إسرائيل”؟
لأنّ نقطة البداية تحدد مسار الفهم، والصراع لا يمكن فهمه بدون الإجابة عن سؤال:
هل الصهيونية استمرار لبني إسرائيل… أم انحراف عنها؟
هذه السلسلة تقدّم برهاناً فكرياً مفصلاً بأن:
بني إسرائيل مشروع ديني أخلاقي
الصهيونية مشروع سياسي استيطاني
الربط بينهما تمّ عبر صناعة أيديولوجية حديثة
ثامناً: خطة السلسلة (10 مقالات)
المقالات ستسير وفق بنية متصاعدة:
1. بين الوحي والواقع… لماذا هذه السلسلة؟
2. بنو إسرائيل في القرآن: بين الاصطفاء والمشروطية الأخلاقية
3. من اليهودية إلى الصهيونية: التحول من الدين إلى الأيديولوجيا
4. توظيف التراث الديني: كيف صارت التوراة سند ملكية؟
5. طمس الهوية الفلسطينية: من أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض
6. التمييز المؤسسي داخل إسرائيل: ديمقراطية لليهود فقط؟
7. الاستيطان كعقيدة: من الوعد الديني إلى نظام الأبرتهايد
8. تفكيك مزاعم “الشعب اليهودي”: قراءة في علم الجينات والأنثروبولوجيا
9. القدس والأقصى: الصراع على الرمز والفضاء المقدس
10. المشروع الصهيوني في الميزان القرآني: بين الفساد والتحقق التاريخي
الخلاصة: لماذا نحتاج هذا النوع من المعرفة؟
لأنّ الصراع في جوهره صراع سرديات قبل أن يكون صراع حدود:
سردية تقول إنها “تعود إلى الأرض بوعد إلهي”
وسردية تقول إنها “تُنتزع من أرضها بالقوة”
ولكي تكون السردية العربية مقنعة، يجب أن تمتلك:
عمقاً معرفياً
صرامة بحثية
تفكيكاً للمفاهيم الغربية
فهما للنصوص الدينية بعين نقدية
هذه السلسلة محاولة لصياغة هذا النوع من الوعي.
السؤال الجدلي للمقالة التالية
إذا كان القرآن يمنح “بني إسرائيل” مكانة وامتيازاً، فلماذا يربط هذا الامتياز بسلوكهم الأخلاقي؟
وهل يحمل ذلك دلالة على أنّ الاصطفاء في الإسلام وظيفي لا عرقي؟
قائمة المراجع
Behar, D. M., et al. (2010). The genome-wide structure of the Jewish people. Nature, 466(7303), 238–242.
Buber, M. (1948). Israel and Palestine. Schocken.
Heschel, A. J. (1955). The Earth is the Lord’s. Harper.
Masalha, N. (2007). The Bible and Zionism. Zed Books.
Ostrer, H. (2012). Legacy: A Genetic History of the Jewish People. Oxford University Press.
Pappe, I. (2006). The Ethnic Cleansing of Palestine. Oneworld.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي