|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

منذر ابو حلتم
2026 / 2 / 1
لم يعد السؤال في مطلع عام 2026 يدور حول "إمكانية" وقوع المواجهة الكبرى في الشرق الأوسط، بل حول "المدى المفتوح" الذي ستبلغه هذه النيران. نحن نعيش اليوم حالة من "السيولة الاستراتيجية" التي تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية، حيث تقف المنطقة على فوهة بركان يغلي بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى. إن ما نشهده الآن ليس مجرد جولة قتالية عابرة، بل هو زلزال جيوسياسي بدأ بالفعل في تصديع أركان النظام العالمي، واضعاً الاقتصاد الدولي على حافة هاوية لم يعرفها منذ عقود.
أولاً: الداخل الأمريكي.. صراع الحسابات والالتزامات
تأتي هذه المواجهة في وقت يعاني فيه صانع القرار في واشنطن من "تخبط استراتيجي" تفرضه قيود داخلية حاسمة:
• الإرهاق من "الحروب الأبدية": تتصاعد في الشارع الأمريكي الأصوات الرافضة لفتح جبهات استنزاف جديدة، خاصة بعد استنزاف المخزونات العسكرية في الجبهة الأوكرانية.
• سلاح التضخم الانتخابي: يدرك البيت الأبيض أن أي شرارة في الخليج ستنعكس فوراً على أسعار الوقود عالمياً، مما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية داخلية، وهو ما يجعل التدخل الأمريكي حتى الآن "حذراً" ومقتصراً على العمليات النوعية والضربات الجراحية.
ثانياً: المسرح العسكري.. استراتيجية "الرؤوس" مقابل "الساحات"
تتمحور العقيدة العسكرية للتحالف حول هدفين: تحييد القدرات النووية الإيرانية، وتفكيك منظومات الردع الصاروخي. وفي المقابل، تفعل طهران استراتيجية "الدفاع النشط":
• لبنان وسوريا: يمثلان خط الدفاع الأول؛ حيث يواجه لبنان خطر تدمير بنيوي شامل مع انخراط "حزب الله" الكلي، بينما تتحول سوريا إلى ممر استراتيجي لقطع خطوط الإمداد واستهداف القواعد.
• العراق كمنطقة رمادية: باتت الساحة العراقية مسرحاً لاشتباك مباشر بين القواعد الأمريكية وفصائل "الحشد الشعبي"، مما يضع سيادة الدولة وتماسكها الداخلي في مهب الريح.
ثالثاً: الحوثيون وسلاح الجغرافيا.. الردع غير المتناظر
برز الحوثيون كلاعب استراتيجي كسر قواعد الاشتباك التقليدية، حيث يمثلون الذراع القادرة على ضرب المصالح الغربية في مقتل دون الحاجة لجيوش كلاسيكية:
• خناق الملاحة: نجح الحوثيون في تحويل البحر الأحمر إلى منطقة استنزاف دائمة، مما أجبر التجارة العالمية على سلك طرق مكلفة، مسبباً أزمة تكاليف عالمية.
• معادلة الدرونات: أثبتت الهجمات منخفضة التكلفة قدرتها على إرباك المنظومات الدفاعية باهظة الثمن، مما خلق "ردعاً فقيراً" أربك حسابات واشنطن وحلفائها.
رابعاً: أوروبا.. الجبهة الهشة والبحث عن النجاة
تجد أوروبا نفسها في وضع مأساوي؛ فهي تعاني أصلاً من تبعات حرب أوكرانيا، وأي صراع في الشرق الأوسط يعني لها:
• انهيار هيكلي: تعطل إمدادات الطاقة من الخليج تزامناً مع الانقطاع الروسي يهدد الصناعة الأوروبية بالشلل.
• التفكك السياسي: الأزمات المعيشية وتدفقات اللاجئين المحتملة ستكون الوقود المثالي لصعود اليمين المتطرف، مما يهدد وحدة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
خامساً: دول الجوار.. العيش في عين العاصفة
تتحمل الدول المحيطة الكلفة الكبرى لهذا الصراع، حيث تجد نفسها مجبرة على الموازنة بين أمنها القومي وضغوط الميدان:
• مصر: تواجه نزيفاً حاداً في إيرادات قناة السويس وضغوطاً أمنية على حدودها، مما يضع استقرارها الاقتصادي في اختبار مصيري.
• الأردن: يقع جغرافياً في مسار المقذوفات المتبادلة، ويواجه ضغوطاً شعبية وسياسية هائلة تهدد توازنه الداخلي.
• دول الخليج: تتبنى "الحياد النشط" لحماية مشاريعها التنموية الكبرى، وتكثف دبلوماسيتها لتجنب تحول منشآتها النفطية إلى أهداف في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
سادساً: مضيق هرمز.. الخيار النووي الاقتصادي
يمثل إغلاق مضيق هرمز "الرصاصة الأخيرة" في جسد الاقتصاد العالمي. ومع مرور 20% من إمدادات الطاقة عبره، فإن أي تعطيل سيؤدي إلى:
• قفزة سعرية جنونية: توقعات بوصول برميل النفط إلى حاجز الـ 200 دولار.
• تضخم عالمي: ارتفاع تكاليف التأمين البحري بنسب قد تصل إلى 300%، مما سيفجر أزمات معيشية في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
الخاتمة: السيناريوهات المفتوحة.. هل هي الحرب العالمية الثالثة؟
رغم قتامة المشهد، يظل تحول الصراع إلى حرب عالمية شاملة خاضعاً لحسابات القوى الكبرى؛ فروسيا تكتفي حالياً بالدعم الاستخباري لاستنزاف واشنطن، والصين تلعب دور "الوسيط القوي" لحماية طرق تجارتها.
ومع ذلك، فإن النتيجة النهائية لعام 2026 لن تكون "نصراً عسكرياً" حاسماً لأي طرف، بل ستكون إعادة تشكيل قسرية للمنطقة؛ تبرز فيها قوى "اللادولة" كلاعبين سياديين، وتضمحل فيها كيانات قديمة، في ظل نظام عالمي جديد يولد من رحم المعاناة، ولم يعد يعترف بقواعد اللعبة القديمة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |