|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
العفيفي فيصل
2026 / 1 / 31
أكبر عدو للدين لم يكن الفلسفة، ولا العلم، ولا النقد، ولا حتى الإلحاد، بل تلك الحالة النفسية المرضية التي يتوهّم فيها المتديّن أنه وصل إلى الحقيقة النهائية، وهذا ما يسمى في علم النفس بوهم المعرفة، ويتجلى هذا المرض الخطير في اللحظة التي يتحوّل فيها الإيمان إلى ادّعاء امتلاك معرفة الله، وحقّ إصدار الأحكام على البشر باسمه.
الغريب أن أكثر التيارات الإسلامية المعاصرة عداوة للعقل تتصرف وكأنها الوريث الشرعي والوحيد للتراث الإسلامي، بينما التراث نفسه قواعده مؤسسة على الشك والسؤال والنظر، فمثلا أهل السنة الأشاعرة وخصومهم المعتزلة، ورغم خلافاتهم العميقة إلاّ أنّ بينهما اتفاق على أنّ الإيمان لا يكون على التقليد الأعمى، بل على النظر العقلي، فالمعتزلة جعلوا العقل أصلًا في معرفة الله، والأشاعرة قالوا صراحة إن النظر واجب شرعي، وأنّ الإيمان الموروث بلا تفكير إيمان ناقص.
يمكن القول أنّ كبار متكلمي الإسلام كانوا ضد وهم المعرفة، وضد فكرة إتباع السلف بلا نقد، وضد ما يُعرف بقيل لنا وقال الشيخ فلان بلا مراجعة موضوعية، والشاهد إدراكهم أنّ العقيدة التي لا تمّر عبر العقل تتحوّل إلى خرافة، وأنّ الإيمان الذي لا يُمتحن بالشك هش ومُهدد بالسقوط، ولذلك لم يخافوا السؤال والجدل والمناقشة، بل جعلوه جزءا من العلم والعبادة.
لعّل تجربة أبي حامد الغزالي تُعّد أقوى صفعة تاريخية في وجه كل مُدعي اليقين، الرجل الذي بلغ أعلى مراتب العلم، ودرّس في أرقى مدارس عصره، أبدا لم يقل عرفتُ فاطمأننت، بل قال شككتُ في كل شيء، شكّ في الحواس، في العقل، في الموروث، ثم قام بهدم البناء كله ليس ليكفر، بل ليبحث وينظر من جديد، والغزالي نفسه يعترف أن اليقين الذي لا يمّر عبر الشك ليس يقينا، بل عادة نفسية مريحة.
الراجح أنّ الخطاب الإسلامي المعاصر يتجنّب استدعاء هذا التراث الجريء إما عن جهل أو خوف، ولهذا قام بتحويله إلى حكايات الأولين، وإلى شعار من أنت لتنتقد فلان وعلان، ليس لأنّ هؤلاء القدماء أكثر فهماً، بل لأن التوقف عن الفهم أسهل من مواصلة البحث، والنتيجة تفرعن الأصولية، وارتفاع صوت التطرّف، حتى صار الآن الباحث والناقد متهماً بالكفر والزندقة، وأضحى السؤال جريمة، والرأي الآخر من المُحرّمات، ولا إشكال في منع كل هؤلاء بالعنف من طرف الأصولي الذي يؤمن أنّ هذا واجبه المقدّس في الأرض (أخطر نتيجة لمرض وهم المعرفة)، فلو عاد الأشاعرة والمعتزلة والغزالي اليوم، لاعتُبروا مشكّكين بل ومن أعداء الدين، وهذه هي المأساة التي نعيشها حاليا (اتهام النظر والتفكير بالكفر، ومباركة الجهل والتقليد الأعمى واعتبارهما من علامات التقوى).
في الأخير، الدين لا يتصادم مع العقل، فلا حاجة لمن يحرسه منه، بل يحتاج في الحقيقة لمن يحميه من وهم المعرفة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |