ميشيل بارنتي: عين ماركسية ترى ما تخفيه القوة

سعد بن علال
2026 / 1 / 27

في حي إيست هارلم بنيويورك، حيث الفقر لا يُقاس إلا بمسافة خطوات بين منزل وآخر، وُلد ميشيل جون بارنتي في عام 1933. الشوارع هناك كانت مدرسةً صعبة، تعلمه أن العالم لا يُكتب في الصحف وحدها، وأن الواقع الذي تعيشه الطبقات العاملة هو أحيانًا أقوى من كل النظريات. من هذا الحي الفقير، ومن هذا الصخب اليومي، خرج صوت صارخ، صوت أصبح لاحقًا مرجعًا لكل من أراد فهم القوة، السلطة، والسيطرة، صوتًا ماركسيًا نقديًا لا يهاب الإمبراطورية، ولا يرضخ لتجميل الرأسمالية.
النشأة ومسار التكوين
نشأ بارنتي في أسرة أمريكية من الطبقة العاملة ذات أصول إيطالية. الحياة المبكرة علمته معنى الصراع الطبقي منذ نعومة أظافره. درس العلوم السياسية في جامعة ييل، وحصل على الدكتوراه، لكنه لم يكتفِ بالبحث الأكاديمي. أراد أن تصل الفكرة إلى الناس، أن تُترجم الماركسية إلى أدوات لفهم الواقع، لا مجرد نصوص جامدة. لقد أراد أن يقرأ الواقع، ويفك شفراته، وأن يري الناس ما تحاول القوى الكبرى أن تخفيه.
الأعمال الكبرى وترجمتها
كتب بارنتي العديد من الكتب التي أصبحت مراجع أساسية في النقد السياسي والثقافي، ومن أبرزها:
Democracy for the Few → الديمقراطية للنخبة القليلة:
يكشف فيه وهم الديمقراطية الأمريكية، ويظهر كيف أن السلطة الحقيقية تُمارَس في أيدي نخبة اقتصادية وسياسية ضيقة.
Blackshirts and Reds: Rational Fascism and the Overthrow of Communism → القمصان السود والحمر: الفاشية العقلانية وسقوط الشيوعية:
دراسة مقارنة بين الفاشية الغربية ونظام الرأسمالية، ونقد انهيار المعسكر الاشتراكي، مع قراءة للعلاقات بين القوة والهيمنة.
Inventing Reality: The Politics of the Mass Media → اختراع الواقع: سياسة الإعلام الجماهيري:
تحليل كيف يتحكم الإعلام في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي، وكيف يُقنع الناس بقبول الواقع كما هو.
The Assassination of Julius Caesar: A People s History of Ancient Rome → اغتيال يوليوس قيصر: تاريخ الشعب في روما القديمة:
إعادة قراءة التاريخ من منظور الطبقات، والبحث عن القوى الخفية التي تحرك الأحداث الكبرى بعيدًا عن الروايات الرسمية.
The Face of Imperialism → وجه الإمبريالية:
عرض نقدي للإمبريالية الأمريكية، وللطرق التي تُبنى بها الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية على الشعوب الأخرى.
أفكاره الكبرى
بارنتي لم يكن مفكرًا يكتب لتراكم المعرفة فحسب، بل لتغيير طريقة رؤية الناس للعالم:
نقد الإمبراطورية الأمريكية: رأى كيف تتحكم الولايات المتحدة في السياسة العالمية عبر القوة العسكرية، الاقتصادية، والثقافية.
تحليل الطبقات الاجتماعية: أصر على أن الصراع بين الطبقات ليس مجرد نظرية، بل واقع يومي يشكّل حياة ملايين البشر.
الإعلام وصناعة الواقع: الإعلام الجماهيري يُعيد إنتاج السلطة ويخلق قبولًا للهيمنة بلا مقاومة.
إتاحة الفكر الماركسي للجميع: كتب بلغة يفهمها الناس، بعيدًا عن التعقيد الأكاديمي، وجعل الماركسية أداة تحليل حية.
ربط الفكر بالواقع المعاصر
قراءة بارنتي اليوم تُشبه النظر عبر مرآة صافية لعالم يُقنّنه الإعلام ويُهيمن عليه الاقتصاد. من سياسات أمريكا الخارجية، إلى حربها على الحركات الشعبية، ومن الأزمة الاقتصادية العالمية إلى الصراعات الطبقية داخل المدن، نجد صدى أفكاره: كيف تُصاغ الحقائق، كيف تُخفي القوة ما تريده، وكيف يُتلاعب بالإدراك الجماعي.
لقد علمنا بارنتي أن فهم العالم لا يكون فقط عبر قراءة الأخبار، بل عبر قراءة القوى الخفية، المصالح الاقتصادية، وعلاقات الهيمنة، وأن النظر بعيون ناقدة هو فعل مقاومة بذاته.
إرثه
حين رحل عن العالم في يناير 2026 عن عمر يناهز 92 عامًا، ترك وراءه إرثًا فكريًا متكاملًا. لم يترك كتبًا فحسب، بل ترك طريقة رؤية للعالم: رؤية تتحدى القوة والهيمنة، تعطي صوتًا للطبقة العاملة، وتعيد للأفكار الماركسية روحها النقدية الحية.
ميشيل بارنتي علّمنا أن الماركسية ليست كلمات على صفحات، بل عين ترى الواقع بوضوح، وفكر يتحدى كل ما يعيق العدالة والمساواة، وفعل مقاومة مستمر ضد كل أشكال السيطرة والإمبراطورية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن