|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عامر موسى الشيخ
2026 / 1 / 25
في واحدة من حلقات بودكاست "شي منسي" ، قدّم الروائي علي بدر، خلال حواره مع صلاح منسي، قراءة لافتة لتاريخ الجريمة في العراق، استند فيها إلى بحث طويل في ملفات الشرطة العراقية. تلك الملفات، غير المنشورة، تكشف مسارًا موازيا للتاريخ الرسمي، مسارًا يعبّر عن التحولات العميقة في بنية المجتمع وسلوكه.
يبدأ هذا المسار مع تأسيس الدولة العراقية في العهد الملكي، حيث ارتبطت الجريمة بالفقر والحاجة، فغلبت السرقات ذات الدوافع المعيشية. ومع تغيّر النظام السياسي، تحوّلت الجريمة إلى طابع سياسي، وصار الاختلاف مع السلطة تهمة جاهزة تُلصق بصاحبها، عنوانها العمالة ومحاولة قلب الحكم. مرحلة طويلة ومرهقة، رسّخت الخوف وأنتجت لغة عنف من نوع آخر.
ومع صعود البعث بصيغته الصدامية، شهد المجتمع تحوّلًا أكثر خطورة، إذ انتشرت أنماط من الجرائم اليومية: تحرّش، اعتداءات لفظية وجسدية، وسلوكيات خشنة باتت جزءًا من المشهد العام. كان ذلك انعكاسًا مباشرًا لطبيعة سلطة تدار بعقلية القوة العارية، وتستند إلى خطاب يمجّد الفظاظة ويكافئها.
هذه المراحل الثلاث، الممتدة من 1921 حتى 2003، ترسم تاريخا اجتماعيا موازيا، لا يقل أهمية عن تاريخ الانقلابات والحروب. تاريخ يُقرأ من خلال ما سجّلته الأجهزة الأمنية، لا من خلال الخطب والشعارات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز توصيف المراحل: كيف تشكّلت فئات مجتمعية شديدة التطرّف، سريعة الانفعال، منغلقة على ذاتها، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التأمل العقلي؟
للإجابة، لا بد من التوقف عند مطلع التسعينيات. بعد حرب الخليج الثانية، واجه النظام صدمة الانتفاضة الشعبية، التي كشفت هشاشة السيطرة وأربكت الداخل والخارج معًا. القمع الذي أعقبها كان عنيفًا، شاملا، ومصحوبًا بإعادة هندسة المجتمع من أعلى.
في عام 1993، أُعلنت ما سُمّيت ب"الحملة الإيمانية الوطنية" حملة سياسية اتخذت من الدين واجهة، وأدخلت الرموز الدينية في الفضاء العام بطريقة فجّة. كُتبت عبارة "ألله أكبر" على العلم بخط يد الرئيس، ثم تطوّر المشهد إلى كتابة المصحف بدمه، في استعراض غرائبي للقداسة والسلطة.
ترافقت هذه التحولات مع إعادة تشكيل قسرية للحياة الاجتماعية والتعليمية: فصل الجنسين في المدارس الابتدائية، إدخال مناهج تركز على الجهاد ورباط الخيل وقصص الفتح، خطاب ديني أحادي يقدَّم للأطفال بوصفه الطريق الأوحد إلى الخلاص. في الإعلام، أدعية مشبعة بثقافة الموت، وبرامج تمجّد "القائد المؤمن" وتقدّم رموز العنف العالمي في صورة المنقذ.
في الفضاء العام، انتشرت التكايا والجوامع الوافدة إلى بيئات غريبة عنها، وأُجبر مسؤولون معروفون بسلوكياتهم الليلية على أداء طقوس تدين استعراضي. مشهد واحد تتجاور فيه اللحية الطويلة مع الفساد، والخشوع المعلن مع القسوة اليومية.
كل ذلك أنتج مجتمعًا مأزوما نفسيا: يفكّر بطريقة، يتكلم بأخرى، ويمارس نقيضهما معًا. هذا الاضطراب لم يتوقف عند جيل واحد، بل انتقل إلى الأبناء، في زمن انفتاح عالمي، وتقنيات توثّق كل شيء، وتحوّل العنف إلى مادة استعراض وإذلال.
اليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا على سقوط النظام، ما زلنا نقف عند عتبة التأسيس الأولى. مشكلاتنا ليست طارئة، وليست وليدة لحظة عابرة كليلة رأس السنة، بل هي نتيجة تراكم طويل من التشويه التربوي والثقافي.
الحاجة باتت ملحّة إلى مراجعة شاملة للمناهج الدراسية في جميع المراحل، وإلى تشريعات رصينة يصوغها مختصون مستقلون، بعيدا عن حسابات السياسة. فالمدرسة، قبل أي مؤسسة أخرى، تملك القدرة على إعادة التوازن.
هذا المقال لا يقدّم أحكامًا نهائية، وإنما يطرح قراءة قابلة للنقاش. وإن الاختلاف مرحّب به، شرط أن يُقرأ الكلام في سياقه الكامل، وأن يُناقش بوصفه بنية مترابطة، دون الحكم عليه مسبقا إذ أن المحبة تبقى أعلى من كل خلاف.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |