|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 1 / 25
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
25 كانون الثاني/يناير 2026
مقدّمة: ثورة كسرت الزمن… ولم تُنْهِ التاريخ
في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011، خرج آلاف المصريين إلى الشوارع مطالبين بما وصفه الكاتب رامي القليوبي ب: «الحرية، والعدالة الإجتماعية، ورحيل نظام حكم إستمر منذ عام 1981». وبعد ثمانية عشر يومًا فقط، وفي لحظة بدت آنذاك فاصلة، أعلن نائب الرئيس عمر سليمان في 11 شباط/فبراير «تنحي حسني مبارك وتسليم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة».
يستعيد القليُوبي تلك اللحظة بوصفها ذروة أمل جماعي، لكنه يضيف مباشرة نبرة التحفظ التاريخي، مشيرًا إلى أن «النشوة الثورية لم تلبث أن تراجعت خلال أشهر قليلة، مع إدراك المصريين أن الجمهورية الجديدة تواجه تحديات سياسية وإقتصادية هي الأخطر منذ عقود». وهكذا، لم تكن ثورة يناير نهاية حقبة فحسب، بل بداية مسار طويل «معقد، مؤلم أحيانًا، ولا تزال تداعياته ماثلة حتى اليوم».
من الثورة إلى الثورة المضادة: صعود الإسلام السياسي وأفوله السريع
يُخصص الكاتب مساحة مركزية لمرحلة ما بعد تنحي مبارك، حين تولى المجلس العسكري السلطة مؤكدًا – بحسب النص – أنه «ليس بديلاً عن الحكم المدني». وبالفعل، جرى تسليم السلطة في حزيران/يونيو 2012 إلى محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الحديث، بعد فوزه بنسبة 51.73% من الأصوات.
غير أن القليُوبي يصف هذه المرحلة بأنها «تجسيد مكثف لصعود وهبوط الإسلام السياسي في مصر»، إذ لم يمكث مرسي في الحكم سوى عام واحد، قبل أن يُعزل في 3 تموز/يوليو 2013 على يد وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، في سياق مظاهرات حاشدة مناهضة له.
ويشير الكاتب إلى الإنقسام الحاد في تفسير الحدث: «أنصار جماعة الإخوان المسلمين إعتبروا ما جرى إنقلابًا عسكريًا، بينما أكد السيسي مرارًا أن تدخل الجيش جاء إستجابة لمطالب شعبية واسعة».
هذا الإنقسام لم يكن داخليًا فقط، بل إنعكس إقليميًا ودوليًا.
إعادة التموضع الإقليمي: من القطيعة إلى البراغماتية
يوضح المقال أن عزل مرسي «أثار ردود فعل متناقضة في الإقليم»، حيث سارعت السعودية والإمارات إلى دعم النظام الجديد سياسيًا وماليًا، في حين تدهورت العلاقات مع قطر وتركيا، بوصفهما «الراعيتين الأبرز للحركات الإسلامية في المنطقة».
أما الولايات المتحدة، الحليف التاريخي لمصر منذ إتفاقية كامب ديفيد، فقد دخلت العلاقة معها مرحلة برود، خصوصًا بعد فض إعتصام أنصار الإخوان في آب/أغسطس 2013، حين أعلن الرئيس باراك أوباما أن التعاون العسكري «لا يمكن أن يستمر بصيغته المعتادة»، وأصبحت المساعدات العسكرية السنوية – البالغة 1.3 مليار دولار – «ورقة ضغط سياسية».
الإنفتاح على موسكو: تنويع الشراكات لا إستبدالها
في هذا السياق، يشير القليُوبي إلى أن القاهرة «إتجهت نحو تقارب محسوب مع موسكو»، تجسد في زيارات متكررة للسيسي إلى روسيا، ومشاركته في إحتفالات النصر عامي 2015 و2025، فضلًا عن قمم «روسيا–أفريقيا» وقمة «بريكس» في قازان عام 2024.
لكن هذا المسار لم يكن بلا مطبّات، إذ شكل تفجير طائرة الركاب الروسية فوق سيناء عام 2015 «إختبارًا قاسيًا للعلاقات الثنائية»، خاصة مع تعليق الرحلات الجوية الروسية لسنوات، وما ترتب عليه من «ضربة موجعة لقطاع السياحة المصري».
ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن العلاقات «إستعادت اليوم ديناميكيتها بالكامل»، مستشهدًا بعودة مصر إلى قائمة الوجهات المفضلة للسياح الروس، وبمشروع محطة الضبعة النووية الذي يصفه بأنه «مشروع بحجم رمزي يُقارن ببناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي».
تثبيت السلطة في الداخل: الدولة الأمنية بصيغة محدثة
على الصعيد الداخلي، يلاحظ القليُوبي أن السيسي «نجح في تركيز السلطة بشكل غير مسبوق»، خاصة بعد تعديلات دستور 2019 التي تتيح له البقاء في الحكم حتى عام 2030. ويعرض نفسه – وفق المقال – «كقائد يواجه التحديات الوجودية للدولة».
كما يشير الكاتب إلى «إحكام السيطرة على المجال الإعلامي»، لافتًا إلى صعود مجموعة United Media Services المرتبطة بالأجهزة السيادية، والتي تحولت خلال سنوات قليلة إلى «إمبراطورية إعلامية تضم أكثر من 40 شركة».
الإقتصاد: نمو بالأرقام… وضيق في المعيشة
إقتصاديًا، يرسم المقال صورة مزدوجة. فمن جهة، يسجل الإقتصاد المصري «نموًا إسميًا مستقرًا»، مع ناتج محلي إجمالي بلغ نحو 389 مليار دولار في 2024، ومكانة متقدمة في ترتيب الإقتصادات وفق معيار القوة الشرائية.
لكن من جهة أخرى، يشدد الكاتب على أن هذا النمو «لم ينعكس على مستوى معيشة الفرد»، حيث لم يتجاوز نصيب الفرد من الناتج 3300 دولار، مع بقاء نحو 29% من السكان تحت خط الفقر.
ويصف قرار رفع أسعار الخبز المدعوم في 2024 بأنه «كسرٌ لأحد أقدس المحرّمات الإجتماعية»، إذ ظل سعر الرغيف ثابتًا لعقود عند خمسة قروش فقط.
التحديات الخارجية: مياه النيل، غزة، والبحر الأحمر
يختم القليُوبي تحليله بالإشارة إلى بيئة إقليمية مضطربة، من ليبيا والسودان إلى غزة، إضافة إلى التهديد الإستراتيجي الذي يمثله سد النهضة الإثيوبي. ورغم أن «الأمطار الغزيرة خففت مؤقتًا من حدة الأزمة»، فإنها لم تُلغِ المخاوف الهيكلية على المدى البعيد.
خلاصة: إستقرار بلا إزدهار… حتى الآن
بعد خمسة عشر عامًا على ثورة يناير، يخلص الكاتب إلى أن مصر «نجحت في إستعادة الدولة، لكنها لم تنجح بعد في إستعادة العقد الإجتماعي». فالجيش والأجهزة الأمنية باتوا «ضامني الإستقرار»، في حين لا يزال الإقتصاد «هشًا أمام الصدمات الخارجية»، والنمو السكاني «يبتلع ثمار التنمية».
ومع ذلك، يترك المقال نافذة أمل، معتبرًا أن مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتراجع معدلات الخصوبة، «قد تهيئ في المدى المتوسط لشروط نمو أكثر توازنًا»، شرط غياب الصدمات الكبرى.
«في حال عدم وقوع هزات داخلية أو إقليمية كبرى»، يكتب رامي القليُوبي، «يمكن لمصر أن تخرج تدريجيًا إلى مسار تنمية مستقرة، وتكرّس موقعها لاعبًا محوريًا في الإقليم».
*****
هوامش
1) المقال نشر بالروسية
«مصر بعد مبارك: من الإضطرابات السياسية إلى التنمية المستدامة».
رامي القليوبي، منصة المجلس الروسي للشؤون الدولية
21 كانون الثاني/يناير 2026
2)د. رامي القليوبي
أكاديمي وباحث سياسي مصري بارز، أستاذ زائر للغة العربية في كلية الإستشراق بالمدرسة العليا للإقتصاد بموسكو، ومراسل شبكة "العربي الجديد" في روسيا. يُعرف بتحليلاته العميقة حول تحولات السياسة المصرية والشرق الأوسط، بالإضافة إلى خبرته في الشأن الروسي والعلاقات الدولية، حيث يجمع بين البحث الأكاديمي والمراقبة الميدانية للأحداث المعاصرة.
3) المجلس الروسي للشؤون الدولية هو مؤسسة بحثية وإستشارية رائدة في روسيا تركز على السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. يعمل المجلس على تحليل القضايا الجيوسياسية العالمية وتقديم توصيات لصناع القرار، ويجمع خبراء روس ودوليين في شؤون السياسة والإقتصاد والدفاع. كما ينظم المؤتمرات ويصدر الدراسات والتقارير، ليكون منصة حيوية للحوار بين الخبراء وصناع السياسة في روسيا وخارجها، مع الحفاظ على صفة الإستقلالية الإدارية رغم علاقته الوثيقة بالحكومة الروسية.