|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

أحمد كامل ناصر
2026 / 1 / 24
تقوم القصّة على لحظة اقتحام مفصليّة: رنين هاتف بعد منتصف الليل يقطع سكون البيت ويقلب الطمأنينة الهشّة إلى فزع مفتوح. هذا الرنين لا يعمل بوصفه حدثًا عابرًا، بل بوصفه بنية دلاليّة تتكرّر وتؤسس منطق النصّ كلّه؛ إذ يتحوّل الهاتف إلى رمز للذنب المؤجَّل، وللأسرار التي لا تموت، لكنّها تعود في لحظات الظلام. اختيار الزمن الليليّ ليس تفصيلًا شكليًا، إنّما جزء من المضمون، فكلّ ما يحدث في القصّة يجري خارج الضوء الاجتماعيّ، حيث تدار الأخطاء وتسوّى الفضائح بعيدًا عن المساءلة.
على مستوى المضمون، تنطلق القصّة من حادثة إنسانيّة صادمة: طفل حديث الولادة يترك على عتبة البيت، لكنها سرعان ما تتجاوز الحدث لتفكك بنية العائلة بوصفها جهازًا لإدارة العار لا لحماية أفراده. البيت الذي يتحوّل إلى "قاعة مؤتمرات" يكشف انزلاق العلاقات العائليّة من الحميميّة إلى البيروقراطيّة؛ فالأسئلة المطروحة لا تتعلّق بمصير الطفل أو احتياجاته، بل بكيفيّة إخفاء الحقيقة، وطمأنة الأب، وتجنّب كلام الناس. هكذا يختزل الإنسان إلى مشكلة، وتتحوّل الأخلاق إلى ملفّ قابل للتفاوض.
الشخصيات في النصّ مرسومة بوصفها مواقع أخلاقيّة داخل هذه المنظومة أكثر من كونها ذواتًا نفسيّة مكتملة. جوليا تمثّل بوابة الصدمة الأولى؛ هي التي تستقبل الرنين، وتفزع، وتفتح الباب، لكنّها لا تمتلك سلطة القرار. وجودها يؤكّد الدور التقليديّ للمرأة بوصفها متلقيّة للكوارث وحاملة للقلق. زوجها، الغارق في النوم، يحضر بوصفه غيابًا دالًا؛ صمته يعكس تهميش الرجل العامل داخل العائلة حين لا يكون صاحب سلطة رمزيّة.
إلياس هو مركز الفعل السلبيّ في القصّة، شخصيّة تتحدّد بأفعالها لا بأقوالها: اقتحام بلا استئذان، تخلّ فجائيّ، اختفاء طويل، ثم عودة مشروطة بالمال. غيابه المتكرّر ليس صدفة سرديّة، بل علامة على تهربه الدائم من المسؤوليّة. حين يعود، لا يعود أبًا ولا أخًا، بل وسيطًا لصفقة، محوّلًا الأبوة إلى سلعة، والطفل إلى بند تفاوضيّ.
في المقابل، تتقدّم سيلينا بوصفها الشخصيّة الأكثر تعقيدًا وعمقًا. إنها الأخت الكبرى التي يفرض موقعها الاجتماعي أن يسمع صوتها، لكنها لا تتكئ على السلطة بقدر ما تتكئ على قناعة داخليّة مؤلمة. قرارها تبنّي الطفل لا يُقدَّم بوصفه بطولة أخلاقية مطلقة، بل خيارًا وجوديًا مشحونًا بالحرمان "وإن لم يكرمني بالزواج" وبالإيمان. هذا التداخل بين الحاجة والإيمان يمنح الشخصيّة صدقها ويجعل تضحيّتها ثقيلة لا مثاليّة.
الأب العجوز، رغم غيابه الجسديّ، يحضر كسلطة رمزيّة خانقة. الخوف من صدمته يوجّه القرارات كلّها، ما يكشف كيف تتحكّم السلطة الأبويّة في العائلة حتى في غيابها. الأم، بدورها، تحضر بصيغة التلميح واللوم غير المباشر، في دلالة على موقعها الهامشي داخل البنية العائليّة. أما الإخوة والأخوات الآخرون فيظهرون كصوت جمعيّ بلا أسماء، يمثل الرأي الاجتماعيّ المتردّد والعاجز. والطفل، وهو محور السرد، يبقى بلا اسم وبلا صوت، في إشارة واضحة إلى تهميشه وتحويله إلى موضوع لا ذات.
من حيث اللغة، يعتمد النصّ على فصحى مرنة مشبعة بنفس شفهيّ، تتخللها تعابير عاميّة محدودة تؤدّي وظيفة كشف لا تزيين. الجمل الطويلة المتلاحقة تعكس توتّر اللحظة، وتحوّل السرد نفسه إلى مساحة ارتباك وقلق. قد يبدو هذا الامتداد في بعض المواضع إطنابًا، لكنّه ينسجم مع الحالة النفسيّة للشخصيّات ومع طبيعة الحدث الطارئ.
أما الشكل، فيقوم على بنية دائريّة تبدأ برنين الهاتف وتنتهي به. هذا التكرار البنائيّ يؤكّد أنّ الحلول التي طُرحت لم تكن حلولًا حقيقيّة، بل تسويات مؤقتة. الزمن في القصّة نفسيّ أكثر منه خطيًا؛ ستة أشهر تمرّ دون أن يلتئم الجرح، لأنّ ما لم يُواجه أخلاقيًا لا يشفى زمنيًا.
على مستوى الأسلوب، يتجنّب النصّ الخطاب المباشر والإدانة الصريحة، ويفضّل ترك الوقائع تتكفل بفضح نفسها. المفارقة الهادئة ــ حل المأساة عبر المال والتوقيع القانونيّ ــ تكشف التناقض بين الشرعيّة القانونيّة والفراغ الأخلاقيّ. الرنين الأخير للهاتف لا يقدّم خاتمة بقدر ما يفتح دائرة جديدة من القلق، مؤكّدًا أنّ الذنب حين يُدار بدل أن يُعالج، يعود دائمًا في لحظة غير متوقعة.
كما أنّ قوّة النص تكمن في نجاح الكاتب نعمان عبد القادر وقدرته على المزج بين الواقعيّة النفسيّة والاجتماعيّة من جهة، واللغة المكثفة المشحونة بالتوتّر من جهة أخرى. كتابته تتسم بالتركيز على التفاصيل الصغيرة التي تحمل دلالات كبيرة، وبالحبكة المحكمة التي توظف الأحداث العائليّة اليوميّة لكشف صراعات أخلاقيّة واجتماعيّة عميقة. قدرته على رسم الشخصيات بأفعالها أكثر من أقوالها، واستثماره للرموز مثل الهاتف والصمت، يعكس مهارة واضحة في توظيف الأدوات السردية لنقل القارئ إلى قلب الأزمة، وجعله شريكًا في السؤال الأخلاقيّ بدل متلقٍ سلبيّ.
في المحصلة، تقدّم القصة نصًا اجتماعيًا مكثّف الدلالة، يفضح آليات الستر، وتوزيع الذنب، وتحميل النساء عبء الإصلاح، مقابل حريّة الذكور في الاختفاء. قوتها لا تكمن في الصدمة، بل في مألوفيّة ما ترويه، وفي قدرتها على جعل القارئ شريكًا في السؤال الأخلاقيّ، لا متلقيًا لإجابة جاهزة، وهو ما يعكس قوة أسلوب الكاتب وتميز كتابته.
الطيرة – 24.1.2026
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |