إنسان بلا رابط «l’homme « sans lien

بلال المزوغي
2026 / 1 / 24

تعتبر التكنولوجيا وسيلة ابتدعها الإنسان للسيطرة على الطبيعة، والتحكّم فيها بل وحتّى استشراف ما يمكن أن يحدث. فهي تعبّر عن العقل البارع للإنسان الصانع l’homo faber . كما أنّها جزء من استراتيجية غزو الأمكنة وخلق فضاءات جديدة. فالتحوّلات الرقمية التي نشاهدها اليوم والتي تتمظهر من خلال ظهور سوق رقمي جديد يقوم على صناعة المحتويات والتطبيقات وخلق فضاءات أخرى للفرجة وللربح السريع، يجعلنا نتساءل عن كينونتنا في هذا العالم المتغيّر، أي محاولة فهم ذواتنا بالعودة إلى الواقع الافتراضي وما أنتجه من فراغ داخل كلّ إنسان.
إنّ عالمنا اليوم هو عبارة عن مشهد فرجوي أو استعراضي بعبارة Gay Dubord حيث لم تعد هناك حميميّات أو عوالم خاصّة، فكلّ شيء أصبح معروضًا بطريقة مشهدية spectaculaire وهو ما جعل من المفاهيم مثل الحب، الصداقة، التعاون تفقد قيمتها. إنّنا نعيش في مجتمع سائل société liquide بعبارة عالم الاجتماع البولندي زيخمونت بومان، حيث أنّ أغلب العلاقات أصبحت تحكمها الهشاشة واللامسؤولية وغياب الالتزام le désengagement . وهذا جزء من إفرازات الفردانية l’individualisme حيث أنّ كل فرد أصبح يعيش وفق معادلة التكلفة والفائدة ، وتنامت النزعة البراغماتية وتغليب المصلحة الخاصّة على المصلحة الجماعية.
يشهد مجتمعنا اليوم تراجع لقيم التعاونية la coopératisme حيث أصبحت أغلب العلاقات تقوم على المنطق النفعي والبراغماتية. وإذا ما نظرنا إلى هذه القيم نجدها من إفرازات الرأسمالية التي جعلت من الإنسان كائن يلهث وراء الاستهلاك المرضي la consommation pathologique حيث يظلّ طيلة حياته يركض وراء الأوهام من أجل تلبية حاجيّات روّجت لها الميديا الرأسمالية واعتبرتها جزء من شرعيّة الوجود. حيث ازدادت رغبة كلّ فرد في الاستهلاك وأصبحت قيمته تتحدّد انطلاقًا ممّا يستهلكه في المجتمع.
لقد أثّرت هذه السلوكيّات على الفرد وعلى العلاقات والروابط الاجتماعية سواء بين الأصدقاء أو العائلة أو حتى في العلاقات الحميميّة، فمفهوم الالتزام لم يعد يقوم على التضحية والتعاون بقدر ما أصبحت أغلب العلاقات تندرج ضمن ما سمّته عالمة الاجتماع Iva Ellouz بالبضائع المشاعيرية Les marchandises émotionnelles حيت يتمّ تبادل المشاعر والأحاسيس وفق منطق الحساب والانتظارات أي باعتبارها بضاعات تدور في سوق العلاقات العابرة وتخضع لما تنتجه الرأسمالية من براغماتية وفردانية تجرّدنا من كل ماهو قيمي وأخلاقي.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي