|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
صالح بوزان
2026 / 1 / 24
مقدمة
ما حدث في الأيام الأخيرة في شمال شرق سوريا يُعدّ نكبة كردية وكارثة وطنية سورية بامتياز. فمشروع قوات سوريا الديمقراطية لم يكن يهدف إلى تحقيق حقوق الشعب الكردي في سوريا فحسب، بل انطلق من رؤية أوسع تتمثل في إنقاذ سوريا من الطائفية والتعصب القومي والديني، وإعادة صياغة وطنية سورية جامعة تقوم على مبدأ الشراكة بين المكونات.
السياق التاريخي للنكبات الكردية
تعيد هذه النكبة إلى الأذهان سلسلة من النكبات التي تعرّضت لها الحركة الكردية في محطات تاريخية مفصلية، منها ما جرى في كردستان تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، وما حدث في كردستان إيران بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك ما آلت إليه الأوضاع في كردستان العراق عقب اتفاقية الجزائر.
لا شك أن المسؤول المباشر عن المجازر التي ارتُكبت بحق الأمة الكردية في تلك المراحل كان الحكومات التركية والإيرانية والعراقية. غير أن الدور الحاسم، وإن كان غير مباشر، تمثل في تآمر القوى الدولية الكبرى آنذاك، وعلى رأسها إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، على القضية الكردية، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
الدور الأمريكي في النكبة الراهنة
يدرك الشعب الكردي في سوريا اليوم أن الجهة التي غدرت به مؤخراً هي الولايات المتحدة. فلم تقف أمريكا على الحياد بين أحمد الشرع (الجولاني) والجنرال مظلوم عبدي، بل انحاز ممثل الرئيس الأمريكي، توم باراك، بشكل كامل إلى جانب أحمد الشرع ضد قيادة قوات سوريا الديمقراطية.
لم يكن هذا الانحياز استجابة لرغبات تركيا أو نتيجة لضغوط أردوغان بهدف القضاء على الإدارة الذاتية، كما يُشاع، بل جاء في إطار حسابات أمريكية تتعلق بمصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
خيانة شيوخ العشائر لا خيانة العرب
انطلاقاً من هذا السياق، ينبغي فهم ما يُسمّى بخيانة شيوخ العشائر العربية للكرد. ومن الضروري التأكيد هنا على أن الخيانة صدرت عن الشيوخ، لا عن الشعب العربي بوصفه مكوّناً اجتماعياً ووطنياً.
بالعودة إلى التاريخ، نجد أن شيوخ العشائر العربية في دير الزور والرقة والحسكة كانوا موالين للدولة العثمانية. وعند وقوع سوريا تحت الانتداب الفرنسي تحوّلوا إلى أدوات بيد فرنسا، يتقاضون منها الرواتب. وفي عهد جمال عبد الناصر أعلنوا الولاء له، ثم في ظل حكم حزب البعث، ولا سيما في عهد حافظ الأسد وابنه، لم يكتفوا بالولاء للنظام، بل تحول كثير منهم إلى مخبرين ضد الكرد.
وعندما فرض الكرد سيطرتهم العسكرية والإدارية على مناطق واسعة في شمال شرق سوريا، قدّم هؤلاء الشيوخ الولاء للكرد. هذا السلوك يعكس نمطاً ثابتاً في العقلية العشائرية، يقوم على مبدأ الانحياز للقوة الحاكمة أياً كانت طبيعتها أو مشروعها.
العقلية العشائرية وإشكالية مفهوم الوطنية
لا يفهم شيوخ العشائر العربية في هذه المناطق مفهوم الوطنية بوصفه انتماءً إلى الوطن والشعب، وإنما ينظرون إلى السياسة من زاوية ضيقة تتمحور حول مصالحهم الشخصية ومصالح عشائرهم. فالولاء لديهم ليس قيمة أخلاقية أو مبدئية، بل أداة نفعية تُمنح للحاكم الأقوى في اللحظة الراهنة.
العامل الإقليمي وتمويل الانشقاقات
ثمة عامل تتغافل عنه كثير من التحليلات السياسية، يتمثل في الدور الذي تلعبه كل من السعودية وقطر في رسم ملامح النظام السياسي السوري المقبل. فهاتان الدولتان تسعيان إلى قيام نظام حكم يمكن التحكم به، وقد أبدى أحمد الشرع استعداداً واضحاً لتقديم الولاء لأمريكا وإسرائيل وتركيا والسعودية وقطر في آن واحد.
ما دامت هذه الأطراف متفقة عليه، فسيبقى في السلطة، أما إذا دبّ الخلاف بينها، فسيجري البحث عن بديل. وفي هذا الإطار، من المنطقي توقّع أن تكون السعودية وقطر قد قدمتا أموالاً لشيوخ العشائر العربية مقابل تخليهم عن قوات سوريا الديمقراطية وعن الكرد.
وللتذكير، فإن قطر سبق أن اشترت انشقاق رئيس وزراء نظام بشار الأسد، رياض حجاب، بمبلغ قُدّر بستين مليون دولار، رغم كونه بعثياً متشدداً وعلمانياً، فما بالك بشيوخ عشائر لا تحكمهم أي التزامات أيديولوجية أو وطنية.
خاتمة
ليس صحيحاً القول إن العرب خانوا الكرد. الحقيقة الأدق هي أن شيوخ العشائر خانوا الكرد، وهم يفعلون ذلك انطلاقاً من عقلية عشائرية لا تؤمن بالقيم والمبادئ الحداثية، ولا تنتمي إلى مفاهيم الحضارة والتقدم الاجتماعي والفكري، بل تحكمها اعتبارات الولاء والمصلحة الضيقة، بصرف النظر عن العدالة أو الشراكة أو المصير المشترك.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |