|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 1 / 24
ليس التهميش الجغرافي في السودان مسألة إهمال تنموي عرضي، بل هو بنية طبقية ممنهجة صُممت تاريخياً لتحويل الأطراف إلى خزانات للموارد البشرية والمادية في خدمة تراكم الثروة داخل المركز. تنتمي هذه التراتبية إلى جوهر منطق تكوّن الدولة السودانية نفسها بوصفها كياناً استعمارياً-رأسمالياً هجيناً. فمنذ الإدارة التركية-المصرية، مروراً بالاستعمار البريطاني، وصولاً إلى الدولة الوطنية الشكلية، ظلت الخرطوم مركزاً لاستخراج الفائض الاقتصادي من الأطراف، معيدةً إنتاج علاقة المستعمِر/المستعمَر داخل حدود الوطن الواحد.
تتجلّى هذه التراتبية عبر منظومة ثلاثية: اقتصادياً، تتحول المناطق الطرفية إلى مصدر للمواد الخام تُصدر عبر المركز إلى الأسواق العالمية، بينما تحرم من أي تنمية صناعية حقيقية. سياسياً، تُدار عبر وكلاء محليين (شيوخ قبائل، قادة ميليشيات، بيروقراطيون) وظيفتهم ضمان تدفق الموارد وقمع التمرد. عسكرياً، تتحول إلى ساحات لحروب بالوكالة يُجند شبابها للقتال في صراعات تخدم مصالح النخبة المركزية. هذه التراتبية هي الإطار المكاني الذي يعمل فيه اقتصاد الريع، وهي التربة التي يزدهر فيها الجهل المُنتَج كأداة للهيمنة.
يكشف تاريخ الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق عن نمط متكرر: المركز يدفع بأبناء الأطراف للاقتتال فيما بينهم، بينما تحتفظ النخبة الخرطومية بسلطة التحكيم والوساطة والمتاجرة بالدماء. تخلق هذه الحروب بالوكالة حاجة دائمة لـ"وساطة" المركز، مما يعزز شرعيته الزائفة ويبرر بقاءه كحكم ضروري. التهميش هنا هو تهميش طبقي مُقنّع بالخطاب الإثني والقبلي، يخدم تحالفاً طبقياً محدداً: كبار الضباط المتحولين إلى رجال أعمال عبر شركاتهم الأمنية، البيروقراطية العليا المتحالفة مع مصالح خارجية، وشركاء تجاريين دوليين في قطاعي التعدين والزراعة المسيسة.
تمثل الميليشيات التي تتحكم اليوم في مناطق الأطراف الامتداد المنطقي لهذه البنية. فهي ليست قوى "تمرد" ضد المركز، بل هي أدوات محلية لتنفيذ سياساته بأساليب أكثر عنفاً وكفاءة. قادة هذه الميليشيات يتحولون إلى وكلاء جدد للسلطة المركزية، يجمعون بين وظيفة الجباية العسكرية وضبط المجتمعات المحلية. يصبح العنف الذي تمارسه ضد مجتمعاتها الأصلية أكثر قسوة من عنف المركز، لأن شرعيتها تعتمد على إثبات "فائدتها" للنظام القائم عبر القمع المفرط.
يُظهر تدفق النازحين من الأطراف إلى المركز تناقضاً صارخاً: المدن التي حرمت هذه المجتمعات من التنمية لعقود تتحول فجأة إلى ملاذ من الحرب التي أشعلتها نفس النخبة. لكن هذا الملاذ وهمي، فالنازحون يُحشرون في مخيمات العوز، ويُحرمون من العمل الكريم، ويُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية، مكملين بذلك حلقة الاستغلال التي بدأت في قراهم.
تعمل آلة الحرب على تعميق هذه التراتبية عبر تحويل التناقضات المحلية إلى خطوط تماس دائمة. هذا التفتيت هو الوجه الآخر لعملة اقتصاد الريع؛ فبينما ينهمك المركز في نهب الموارد، يشغل الأطراف بنزاعات تستهلك طاقتها الثورية وتجعلها عاجزة عن تشكيل تحالف طبقي عابر للمناطق. بدلاً من أن تتحد قبائل منطقة ما ضد نظام النهب المركزي، تُحرَّض على القتال فيما بينها حول موارد شحيحة. هذا التفتيت الاستراتيجي يحول الصراع الطبقي الجوهري إلى نزاعات هوياتية جانبية، مما يضمن استمرار هيمنة النخبة.
يكمن ادعاء "الحياد" الذي ترفعه بعض المجتمعات الطرفية في قلب هذا المأزق. فهو غالباً ما يكون استراتيجية بقاء في مواجهة اختيار مستحيل: إما الانضمام إلى ميليشيا تدعمها السلطة المركزية، أو البقاء كهدف سهل في جغرافيا الإبادة. الحياد الحقيقي مستحيل في نظام يحول كل شيء إلى سلعة في سوق الحرب، حيث يُباع الولاء السياسي مقابل الحد الأدنى من شروط البقاء البيولوجي.
تستخدم الشركات العابرة للحدود هذه التراتبية الجغرافية-الطبقية لتعظيم أرباحها. فمناجم الذهب في مناطق النزاع تُدار بعقود مباشرة مع الميليشيات المحلية، متجاوزة أي قوانين وطنية لحماية العمال أو البيئة. الأراضي الزراعية الخصبة تُسلّم لشركات أجنبية عبر وسطاء محليين، بينما يُطرد الفلاحون إلى مخيمات النزوح. هذا الاستعمار الجديد يعمل عبر وسطاء محليين، مما يعقد مقاومته ويحولها إلى صراعات داخلية تبدو وكأنها "نزاعات قبلية".
في قلب هذه المعادلة المعقدة، تظهر أشكال مقاومة محلية تحاول كسر الدائرة. تعاونيات زراعية ترفض التهجير، مجموعات نسوية تنظم إغاثة ذاتية تتجاوز الانقسامات، شباب يرفضون التجنيد وينظمون بدائل اقتصادية محلية. هذه المبادرات تمثل محاولة لكسر منطق المركز والأطراف، لكنها تتعرض لهجوم مزدوج: من المركز الذي يراها تهديداً، ومن الميليشيات المحلية التي تراها منافسة.
الحل الجذري لا يكمن في "اللامركزية" الشكلية، بل في إعادة توزيع جذرية للثروة والسلطة. هذا يتطلب كسر احتكار المركز للموارد والقرار، وضمان تمثيل حقيقي للأطراف، وإعادة توجيه الاستثمارات لصالح التنمية المتوازنة. النضال ضد التراتبية الجغرافية هو نضال طبقي، فالنخبة المركزية هي تحالف طبقي يستخدم الانتماء الجغرافي كأداة لتقسيم الطبقات الكادحة.
يكمن التحدي التاريخي في تحويل الغضب الجغرافي المتفجر إلى وعي طبقي موحد. هذا التحول ليس نظرياً بل عملياً: فهو يبدأ حين يدرك فلاح دارفور أن عدوه ليس "التاجر الخرطومي" بل نظام التسعير الذي يسيطر عليه تحالف التجار-العسكر، وحين يدرك عامل الخرطوم أن انهيار خدمات مدينته مرتبط بنهب موارد الأطراف لتمويل حروب النخبة. وحدة العمال في الخرطوم مع الفلاحين في دارفور، والمهمشين في كردفان مع سكان الأحياء الفقيرة في العاصمة، هي السلاح الوحيد القادر على كسر هذه الآلة.
هذه الآلية ليست فريدة؛ فقد وظفت الرأسمالية الاستعمارية الانقسامات الجغرافية في الكونغو والهند البريطانية لتحويل التنوع إلى تراتبية خدمت التراكم الأولي. اليوم في السودان، تعيد الرأسمالية الطفيلية إنتاج هذه الآليات بأدوات أكثر تعقيداً.
لذلك، المهمة الثورية هي تحويل الجغرافيا من ساحة قهر إلى مجال تحرر، عبر كسر الاحتكار المزدوج: احتكار المركز للثروة، واحتكار الميليشيات المحلية للعنف. وهذا يبدأ بتضامن طبقي يعيد تعريف الوطن ليس ككيان مركزي يفرض الهيمنة، بل كنسيج من العلاقات العادلة بين كل جغرافيا السودان.
كما كتب الجغرافي الماركسي البريطاني ديفيد هارفي: "اللامساواة الجغرافية ليست حادثة؛ إنها ضرورية لعمل الرأسمالية". التراتبية الجغرافية في السودان ليست قدراً طبيعياً بل هي نتاج خيارات سياسية واقتصادية تاريخية. تغييرها يتطلب ثورة في علاقات الإنتاج والسلطة، تبدأ باعتراف بجريمة التهميش وتنتهي ببناء نموذج تنموي عادل يشمل كل الجغرافيا السودانية.
النضال مستمر،،
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |