|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ناظم زغير التورنجي
2026 / 1 / 22
دور ومكانة الدولة لدى المذهب الشيعي*( الحلقة الأولى)
أبو حازم التورنجي
دراسة تحليلية تُبيّن إخفاق المذهب (الفقه السياسي الشيعي ) بصيغته السائدة تاريخيًا ومعاصرًا – في إنتاج دولة عصرية تُصان فيها حرية الإنسان وكرامته، مع تشخيصٍ ملموس لمعالم الخلل البنيوي في نظرته إلى الدولة وأسس قيامها واستمرارها.
سألتزم هنا بلغة تحليلية عقلانية، لا طائفية ولا تحريضية، لأن قوة النقد تأتي من صرامته المعرفية لا من حدّته الانفعالية.
إشكالية الدولة في الفكر الشيعي: دراسة تحليلية نقدية
أولًا: مدخل إشكالي
الدولة العصرية ليست مجرد سلطة أو جهاز قمع، بل بنية قانونية–مؤسسية تقوم على:
- سيادة القانون الوضعي
- المواطنة المتساوية
- الفصل بين السلطات
- تداول السلطة
- حماية الحقوق الفردية والجماعية
والسؤال الجوهري هو:
هل يمتلك الفكر السياسي الشيعي – كما تبلور فقهيًا وتاريخيًا – أدوات نظرية وعملية لبناء مثل هذه الدولة؟
ثانيًا: الدولة بوصفها غيابًا لا حضورًا في الفكر الشيعي الكلاسيكي
الفكر الشيعي الإمامي تشكّل تاريخيًا تحت صدمة الغياب (غياب الإمام المعصوم)، لا تحت منطق الدولة.
1. الانتظار بدل التأسيس
- الدولة في الوعي الشيعي التقليدي مؤقتة، ناقصة، فاقدة للشرعية الكاملة
- الشرعية الحقيقية مؤجلة إلى زمن الظهور
- النتيجة: عقل سياسي لا يبني دولة بل يتعايش مع سلطات أمر واقع
القطيعة بين الفقه والسياسة
- الفقه الشيعي نشأ كفقه عبادات وأحوال شخصية
- لم يطوّر نظرية متكاملة للحكم، للإدارة، للاقتصاد السياسي
- الدولة تُترك إما للطغاة أو للغيب
هذا أنتج وعيًا سياسيًا سلبيًا يرى الدولة شرًا لا ضرورة تاريخية.
ثالثًا: ولاية الفقيه – الحل الإشكالي الذي عمّق الأزمة
محاولة سد فراغ الغياب عبر "ولاية الفقيه" لم تحل المعضلة، بل أعادت إنتاجها بشكل أكثر تعقيدًا.
1. نقل العصمة من الإمام إلى الفقيه
- الفقيه غير منتخب شعبيًا بمعناه الحديث
- يُنصَّب بوصفه نائبًا عن المطلق
- النتيجة: سلطة فوق النقد والمساءلة
2. تعليق السيادة الشعبية
- الشعب لا يُعد مصدرًا للشرعية بل "مُجيزًا" لها
- الانتخابات – إن وُجدت – تُفرغ من مضمونها
- الدولة تتحول إلى ثيوقراطية مقنّعة
3. خلط الديني بالسياسي
- أي معارضة سياسية تُؤوَّل كخروج ديني
- تآكل المجال العام
-قمع التعددية باسم العقيدة
هنا تنتفي شروط الدولة العصرية: لا مواطنة، لا تداول، لا مساواة.
رابعًا: مفهوم الإنسان في الفكر الشيعي السياسي
الدولة الحديثة تقوم على الإنسان بوصفه غاية، بينما الفكر الشيعي السياسي ينظر إليه غالبًا كـ:
- مكلَّف لا مواطن
- تابع لا صاحب سيادة
- موضوع للرعاية لا شريك في القرار
1 -الحقوق مشروطة لا أصيلة
-حرية التعبير، الجسد، الاعتقاد، المرأة… كلها تخضع لتأويل فقهي
- لا وجود لمفهوم الحقوق الطبيعية غير القابلة للمصادرة
2- المرأة ككائن ناقص الأهلية السياسية
-تمثيل رمزي أو معدوم
- تشريعات تكرّس الوصاية
- استحالة مساواة قانونية حقيقية
كرامة الإنسان هنا ليست قيمة مطلقة، بل امتيازًا أخلاقيًا مشروطًا.
خامسًا: غياب مفهوم المواطنة
أخطر عطب بنيوي هو انعدام مفهوم المواطنة.
- الانتماء الطائفي يسبق ويلغي الانتماء الوطني
-الولاء المذهبي يتقدّم على العقد الاجتماعيبل ويفككه
- الدولة تُختزل في "جماعة مؤمنة" لا مجتمع متنوع
النتيجة:
- تمييز قانوني واجتماعي
- شرعنة الإقصاء
- تفكك النسيج الوطني
وهذا يتناقض جذريًا مع فكرة الدولة الحديثة بوصفها إطارًا جامعًا محايدًا.
سادسًا: الدولة كغنيمة لا كمؤسسة
في التجارب المعاصرة المتأثرة بالفكر الشيعي السياسي، نلاحظ:
- تفكيك المؤسسات لصالح شبكات ولاء
- عسكرة المجتمع
- غليب العقيدة على الكفاءة
- تديين الفساد وتبريره أخلاقيًا
الدولة هنا:
ليست جهاز خدمة عامة بل غنيمة أيديولوجية
سابعًا: الخلاصة التركيبية
يمكن القول إن عجز الفكر الشيعي في بناء دولة عصرية لا يعود إلى سوء التطبيق فقط، بل إلى خلل بنيوي في الأسس النظرية، يتمثل في:
1. غياب مفهوم الدولة كضرورة تاريخية
2. تأجيل الشرعية إلى الغيب
3. نفي السيادة الشعبية
4. تديين السلطة
5. تهميش الإنسان كقيمة مستقلة
6. تفكيك المواطنة لصالح الهوية الطائفية
الخلاصة
هذا النقد لا يستهدف المؤمنين ولا التجربة الروحية، بل الفكر السياسي حين يتحول إلى سلطة مغلقة.
وأي مشروع تحرري حقيقي في المجتمعات الشيعية لن يبدأ إلا بـ:
- فصل المقدس عن الدولة
- إعادة الاعتبار للإنسان كمصدر للشرعية
- بناء دولة قانون لا دولة مذهب
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |