|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 1 / 19
في زمن تتكاثر فيه محاولات تنميط المدن، واقتلاعها من ذاكرتها الفنية الشعبية، يُقال أحياناً إن مدينة آسفي "لا علاقة لها بالعيطة". يُقال ذلك بخفة مؤلمة، كأنما تُنتزع الذاكرة من لسان الأرض، وتُمحى أصواتٌ نسجت جزءاً من الهوية الجماعية. والحال أن العيطة ليست غريبة عن آسفي، وليست وافدة على جغرافيتها، بل هي جزء لا يتجزأ من نسيجها الثقافي، صوتها الداخلي، ورنينها العاطفي.
العيطة، بهذا المعنى، ليست مجرد فن غنائي شَعبي، بل هي وثيقة شفوية كتبتها الألسن حين صمتت الأقلام. هي طريقة شعبية لحفظ التاريخ، رواية مُوازية لما سكتت عنه السجلات الرسمية، ولما همّشته اللغة الأكاديمية. إنها خطاب عن الحب والفقد، عن الفقر والكرامة، عن الحياة كما عاشها الناس في هوامش المدن والقرى والجبال.
وآسفي، المدينة الواقعة بين الطين والملح، بين البحر والجبل، ليست بعيدة عن هذا الوجدان. فهي لم تكن فقط مدينة الخزف والشعر والمسرح، بل أيضاً مدينة الصوت الشعبي، مدينة العيطة بألوانها المختلفة، وخصوصاً العيطة المرساوية، التي لا يمكن فصلها عن "المرسى" الذي احتضنها، وهو مرسى آسفي دون منازع.
ومن بين ألوان العيطة التي تنتمي بدورها لروح المدينة، تحضر العيطة الحصباوية التي عُرفت بمقاومتها واستحضارها لرموز التمرد، من خلال أسماء مثل الشيخة حادة، التي دخلت في صراعٍ غنائي ملحمي مع القائد عيسى بن عمر، فحوّلت صوتها إلى سلاحٍ رمزي في وجه التسلط، وجعلت من العيطة أداة للاحتجاج قبل أن تفعل ذلك الشعارات.
ومن اللافت أن آسفي لم تُخرّج فقط فنانين ذكوراً في هذا المجال، بل كانت أحد معاقل الأصوات النسائية التي شكّلت الوجدان الغنائي الشعبي. الباليزة، بصوتها الجارح، كانت تُغني وكأنها تحفر في جدار الصمت الاجتماعي، وعيدة، بصراحتها القروية وعنفوانها، شكّلت حضوراً استثنائياً في حفلات وسهرات المدينة، من الدواوير إلى الأعراس الكبرى، ومن الحزن إلى الفرح، حملت العيطة كما تُحمل قضية.
من الأزقة القديمة إلى المواسم والليالي الحميمية، عبر النساء اللواتي حملن القصيدة في الحلوق، والرجال الذين عزفوا على لوثار كما لو أنهم يوقّعون على وثيقة احتجاج صامتة، حضرت العيطة كأفق تعبيري. لم تكن زينة، بل بوصلة. لم تكن فولكلوراً مناسباتياً، بل شكلاً من أشكال الفهم العميق للحياة.
صحيح أن مدناً أخرى ساهمت بقوة في تطوير هذا الفن، كمنطقة عبدة، ودكالة، والشاوية، والغرب، لكن آسفي أيضاً، بما هي ملتقى البادية بالبحر، جمعت بين أصول متعددة وصاغت نكهتها الخاصة. هنا اختلطت أصوات البحارة بأهازيج الرحل، وهموم الحرفيين بآهات النساء. نشأت العيطة في آسفي لا كاستيراد، بل كتركيب اجتماعي وجمالي واقعي.
ثم كيف لنا أن ننسى أسماء طبعت هذا الفن بطابعها، من فاطنة بنت الحسين التي غنّت آسفي كما لم يفعل أحد، إلى خربوشة التي غنّت الثورة قبل أن تفهمها السياسة، إلى الجيلالي بناني، وحادة بنت لكَوش، والباليزة، وعيدة، وآخرين من نسيهم التاريخ الرسمي، لكن حفظتهم ذاكرة الناس.
اليوم، في زمن التهميش الثقافي، تتعرض العيطة لمحاولة "تنقية" تُقصيها من المدن الكبرى، بدعوى أنها "فن بدوي"، وهي في الواقع فن شعبي، أي فن الناس، صوتهم حين لا يجدون من يمثّلهم. ولذلك فإن نزع العيطة عن آسفي لا يعني فقط محو جزء من الذاكرة، بل يعني تجريد المدينة من بعدها الشعبي، وحرمانها من إحدى أهم روافدها الثقافية.
العيطة، كما نعرفها في آسفي، ليست صوتاً قديماً نغلق عليه أبواب الأرشيف، بل هي خطاب حي، فلسفة بالمغربية، ومقاومة من نوع خاص. من يفهمها، يدرك أن الفن الشعبي ليس شكلاً دون مضمون، بل هو كثافة في التجربة، وذكاء في التعبير، وكرامة في اللحن.
وآسفي، بذاكرتها، بتنوعها، بتناقضاتها، لا يمكن إلا أن تكون مدينة للعيطة... شاء من شاء وكره.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |