كرة القدم: حين تتحوّل اللعبة إلى جهاز إيديولوجي ناعم

سعد بن علال
2026 / 1 / 17

ليست كرة القدم مجرّد لعبة. هذا التوصيف، رغم بساطته الظاهرة، يخفي أكثر مما يكشف. فاللعبة، حين تنتقل من الحيّ الشعبي إلى الاستاد، ومن المتعة العفوية إلى الصناعة الكونية، تكفّ عن كونها نشاطًا ترفيهيًا بريئًا، وتغدو إحدى أكثر الآليات الاجتماعية تعقيدًا في إنتاج الرضى، وضبط الانفعالات الجماعية، وإعادة تدوير الخيال الشعبي داخل حدود آمنة.
في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة، لم تعد كرة القدم فضاءً للّعب، بل سوقًا مكتملة الأركان: حقوق بث، رعاة، إعلانات، مضاربات، أسهم، ومضخات مالية هائلة. اللاعب لم يعد لاعبًا بقدر ما صار «أصلًا» قابلًا للتداول، والجمهور لم يعد جمهورًا بقدر ما صار كتلة استهلاكية يُعاد تشكيل ذوقها، وانفعالاتها، وولاءاتها، بدقّة شبه علمية.
من المتعة إلى الوظيفة
لا تكمن خطورة كرة القدم في كونها تُفرح الناس، بل في الوظيفة التي تؤديها داخل بنية اجتماعية مأزومة. فهي تمنح الجماهير إحساسًا بالانتصار دون صراع، وبالانتماء دون تنظيم، وبالقوة دون ممارسة فعلية لها. انتصار الفريق يُعوّض، نفسيًا، عن هزائم اجتماعية متراكمة: بطالة، تهميش، غياب أفق، انسداد سياسي.
هنا، لا تعود المسألة مسألة «وعي زائف» بالمعنى التبسيطي، بل مسألة تدبير للغضب الاجتماعي. كرة القدم لا تُلهي فقط، بل تُعيد توجيه الانفعال: من الشارع إلى المدرجات، من السؤال السياسي إلى الجدال التحكيمي، من الصراع الطبقي إلى الكلاسيكو والديربي.
صناعة النجومية وتشييء الحلم
تنتج الرأسمالية الكروية نموذجًا خاصًا للنجاح: اللاعب الذي خرج من الفقر إلى الثراء الخارق. هذا النموذج يُقدَّم بوصفه أفقًا مفتوحًا للجميع، بينما هو، في الواقع، استثناء إحصائي يُستعمل لتبرير القاعدة. فكما في عالم ريادة الأعمال، تُستخدم قصص الصعود الفردي لإخفاء البنية التي تجعل هذا الصعود شبه مستحيل جماعيًا.
اللاعب النجم يتحوّل إلى سلعة رمزية: جسده، صورته، صوته، وحتى مواقفه (أو صمته) تُدار بعقود. وحين يتكلّم خارج النص، يُعاقَب باسم «الحياد الرياضي»، ذلك الحياد الذي لا يُطبَّق أبدًا على الإعلانات، ولا على الرعاة، ولا على الاستثمارات القادمة من أنظمة استبدادية.
الوطنية المؤقتة
في لحظات المونديال، تستدعى الوطنية بوصفها مشاعر صافية. غير أن هذه الوطنية، السائلة والمؤقتة، تُستعمل غالبًا كبديل عن السياسة. يُطلب من الجماهير أن تفرح، أن ترفع العلم، أن تنسى — ولو مؤقتًا — الأسئلة الثقيلة: من يحكم؟ من يملك؟ من يقرر؟
لا يعني هذا التقليل من الفرح الشعبي الصادق، بل مساءلة توظيفه. فالسلطة التي تفشل في ضمان الكرامة اليومية، لا تمانع في تشجيع نشوة عابرة، ما دامت لا تتحوّل إلى وعي أو مطلب.
هل من أفق آخر؟
النقد الماركسي لكرة القدم لا يدعو إلى مقاطعتها، ولا إلى ازدراء الجماهير، بل إلى استعادة معناها الإنساني. كرة القدم، في أصلها، لعبة جماعية، قائمة على التعاون، الذكاء المشترك، والفرح المتقاسم. لكن استعادتها مشروطة بفكّ الارتباط بينها وبين منطق السوق المتوحش، وبفهم موقعها داخل الصراع الاجتماعي الأوسع.
حين نفهم كرة القدم كما هي: مرآة للمجتمع، لا مهربًا منه، يمكن للفرح أن يصير وعيًا، وللشغف أن يصير سؤالًا، وللملعب أن يتوقّف عن كونه بديلًا عن الساحة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن