|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد اسماعيل السراي
2026 / 1 / 16
لم يكن الحلم يزورُه.
كان ينتظره.
كلما أغمض عينيه، كان الممر حاضرًا، لا يتغير، كأنه لم يُبنَ في الذاكرة بل في مكان آخر لا يخضع للنسيان. الممر نفسه، بطوله المبالغ فيه، بجدرانه الرمادية التي لا تحمل أثر عمر، وبضوء لا يُدفئ ولا يُظلم، ضوء يشبه الزمن حين يفقد تعاطفه.
كان يعرف، منذ الخطوة الأولى، أنه متأخر.
لا يحتاج إلى ساعة ليعرف.
التأخر هنا شعور، لا وقت.
في يده دفتر.
دفتر واحد دائمًا، لا يزيد ولا ينقص.
يحمله كما يحمل المرء شيئًا يخشى أن يُسأل عنه.
يدخل القاعة.
المشهد لا يتبدل.
الطلاب جالسون، صامتون، كأنهم جزء من ترتيب سابق عليه. السبورة ممتلئة. ليس امتلاء الفوضى، بل امتلاء التراكم؛ ما كُتب فوق ما كُتب، وما بُني فوق ما لم يشهده.
يحاول أن يتذكر:
متى بدأ الغياب؟
أكان قرارًا؟
أم تسويفًا ظنه فسحة؟
لا يجد جوابًا.
الأسئلة هنا لا تُنقذ.
الأستاذة تشرح.
لا تلتفت.
لا تعاتب.
وجودها محايد كقانون طبيعي: لا يُخاصم أحدًا، ولا ينتظر أحدًا.
يجلس.
يفتح الدفتر.
الصفحات بيضاء.
بياضها ليس عاديًا.
ليس بياض الورق الجديد، بل بياض غريب، كأن الصفحة لم تمسّها فكرة، لم تخطئ، لم تُجرَّب.
بياضٌ يشبه اليد حين تُخرج من الجيب:
لا سوء فيها،
ولا أثر لما كان ينبغي أن يُكتب.
يرتجف.
يقول لنفسه: هذه المرة فقط، سأبدأ.
يرفع القلم.
لكن القلم لا يترك أثرًا.
الشرح يتقدم.
المعادلات تتكاثر.
المادة تتشعب، كأنها تعرف أنه لن يلحق بها.
يحاول أن يعتذر.
أن يشرح.
أن يقول إنه كان مشغولًا، وإنه سيعوّض.
لكن لا أحد هنا ينتظر التعويض.
يستيقظ.
القلب يخفق، والليل في مكانه، وكل شيء يبدو ثابتًا. لكنه يعرف—يعرف بيقين ثقيل—أن الحلم لم ينتهِ. هو فقط تراجع خطوة.
في الليلة التالية، يعود.
وفي التي بعدها.
وفي ليالٍ لا يتذكر عددها.
أحيانًا يصل أسرع.
أحيانًا يجلس أقرب إلى السبورة.
أحيانًا يحلف في الحلم أنه لن يغيب مرة أخرى.
وفي كل مرة…
يفتح الدفتر.
الصفحات بيضاء.
لا تمتلئ.
لا تتسخ.
لا تُخطئ.
كأن الزمن يمنحه الفرصة نفسها، دون أن يمنحه الزمن نفسه.
وفي إحدى المرات، وهو يغلق الدفتر بيأس لم يعد حادًا بل منهكًا، يخطر له سؤال لم يسأله من قبل:
ليس: لماذا تأخرت؟
بل: لمن كان ينبغي أن أكتب؟
ينظر حوله.
الوجوه مألوفة أكثر مما يحتمل.
عيون لا تلوم، لكنها تنتظر.
انتظارًا صامتًا، أثقل من العتاب.
يفهم—ولا يفهم في آن—أن الدفتر ليس مادة.
وأن الحصة ليست درسًا.
وأن ما لم يُكتب… لا يُكتب لاحقًا.
يستيقظ.
يمشي في البيت ببطء.
يمر قرب الأبواب.
يتوقف.
يصغي.
كل شيء هادئ.
هادئ أكثر مما ينبغي.
يعود إلى سريره.
يعرف أن الحلم سيعود.
ليس لأنه لم يفهمه…
بل لأنه لم يملأ الدفتر بعد.
والزمن—يعرف هذا الآن—
لا يعود مرتين.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |