|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 1 / 17
دييغو ريفيرا لم يكن مجرد رسام، بل كان رجلًا يضع جسد أمة على الجدران. حين نقرأ سيرته، نشعر كأننا أمام جدارية متشابكة: ألوانها فوضى، لكن هذه الفوضى تنسج المعنى. فكل مساره الفني والسياسي كان بحثًا عن طريقة ليقول: الفن ليس زينة، الفن حياة.
وُلد ريفيرا سنة 1886 في غواناخواتو بالمكسيك، في زمن يختلط فيه إرث الأزتيك بظلال الاستعمار الإسباني. حمل منذ طفولته حدة السؤال، وانجذب مبكرًا إلى الرسم كمن يبحث عن وطن آخر في الألوان. سافر إلى أوروبا، وتتلمذ على أيدي الكلاسيكيين، ثم انغمس في مغامرات الطليعة الباريسية حيث تعرّف على التكعيبية. لكنه سرعان ما أدرك أن مصيره لا يمكن أن يظل غريبًا في صالونات باريس، بل هو مشدود إلى بلاده التي كانت تعيش حمى الثورة.
عاد إلى المكسيك في العشرينيات، ليجد أن السؤال قد كبر داخله: لمن يرسم الفنان؟ لم يتردد: للناس. لا للقصور ولا للمزادات، بل للفلاحين، للعمال، للطلاب الذين يمرون كل صباح أمام مبنى عمومي. هكذا صار رائد الجداريات المكسيكية. كان الجدار عنده دفترًا مفتوحًا يدوّن فيه التاريخ، يكتب فيه ما يخفيه المؤرخون وما تصادره السلطة.
في جدارياته، تمتزج وجوه الأزتيك القديمة بملامح العمال الجدد. المرأة الأم تتحول إلى رمز للوطن، واليد التي تحمل الفأس تصبح أيقونة أبدية. كان يرفع البسطاء إلى مقام البطولة، ويزرع الثورة في قلب الأسطورة.
لكن مساره لم يكن هادئًا. فقد كان رجلًا صاخبًا، شيوعيًا ملتزمًا بالفكر الثوري، وفي الوقت نفسه متورطًا أحيانًا في العمل مع مؤسسات رسمية ورأسمالية. كان يعرف أنه يعيش تناقضًا، لكنه اعتبر أن الصراع نفسه هو مادة الفن.
هذه التناقضات بلغت ذروتها في واحدة من أشهر معاركه: جدارية نيويورك. في أوائل الثلاثينيات، دُعي إلى رسم جدارية في مركز "روكفلر"، القلب النابض للرأسمال الأميركي. بدأ عمله على لوحة سماها الإنسان في مفترق الطرق. لكن ريفيرا، بعناده المعهود، أضاف تفصيلًا صغيرًا قلب الدنيا: بورتريه لفلاديمير لينين، محاطًا بعمال وفقراء. كان ذلك الوجه في قلب نيويورك أشبه بطلقة في جدار الرأسمال.
ثار آل روكفلر، وطالبوه بإزالة صورة لينين. رفض ريفيرا، فأمروا بهدم الجدارية. لم ينهزم: أعاد رسمها لاحقًا في المكسيك، بجرأة أكبر. لقد أثبت أن الجدار قد يُهدم ماديًا، لكن الرسالة لا تُمحى.
وعلى الصعيد الشخصي، كان مساره لا يقل عاصفة. علاقته مع فريدا كاهلو كانت جدارية بشرية أخرى: جسدان وروحان في صراع أبدي، بين الحب والخيانة، الرعاية والتحطيم. ومع ذلك، ظل كلاهما يعرف أن الآخر جزء من مصيره، وأن الألم المشترك يمكن أن يتحول إلى فن خالد.
هكذا تختلط سيرة ريفيرا بمساره. فالفنان عنده لم يكن سوى إنسان في مفترق طرق: بين أوروبا والمكسيك، بين الثورة والسلطة، بين الحب والخذلان، بين الجدار المهدوم والجدار القائم. لكنه أدرك أن العظمة لا تأتي من الطريق المستقيم، بل من المتاهة.
رحل سنة 1957، لكن جدارياته ما زالت تنبض بالحياة. تقف كوثائق بصرية للشعوب، كأصوات ملونة تقول: الفن ليس ترفًا، الفن سيرة ومسار، والجدار حين يُمسك به فنان صادق يتحول إلى ذاكرة لا تهدمها المعاول.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |