|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 1 / 20
لم يكن خوسيه كليمنتي أوروزكو مجرد رسام جداريات، بل كان شاعرًا باللون، ثائرًا بالفرشاة، وشاهدًا على المأساة الإنسانية. وُلد عام 1883 في خاليسكو، وفي طفولته فقد يده اليسرى في حادث، وكأن القدر أراد أن يضعه منذ البداية في مواجهة العطب. لكنه لم يستسلم، بل حوّل يده الوحيدة إلى جسر بين الألم والفن، بين الجسد الناقص والخيال المكتمل.
حين رسم أوروزكو، لم يزين الجدار بزينة طوباوية ولا بأحلام وردية. كان يعتقد أن الفن الحقيقي هو ذاك الذي يجرؤ على مواجهة الظلمة. لذلك جاءت جدارياته حارقة، متوترة، أشبه بجرح مفتوح على التاريخ المكسيكي. في لوحاته نرى الفلاح والعامل لا كرموز مثالية، بل كأجساد مُنهكة، وجوه مشوهة، عيون شاخصة نحو مصير مجهول.
في "إله النار"، جدارية غوادالاخارا الأشهر، تشتعل الأجساد في دوامة من اللهب، وكأنها رقصة أبدية بين الفناء والخلاص. هناك، نرى الإنسان وهو يواجه قدره، عاريًا من كل أوهام الخلود.
بينما كان ريفيرا يغني للمستقبل المشرق، ويزين جدران نيويورك ببورتريه لينين، اختار أوروزكو أن يظل وفيًا للمأساة: لم يُرد أن يُسكر الجماهير بالأحلام، بل أن يصدمهم بالمرآة. أن يجعلهم يرون وجوههم الممزقة كما هي، بلا رتوش.
حتى في الولايات المتحدة، حيث أنجز جداريات في نيوهامبشير ونيويورك، لم يتخل عن صرامته. لم يُجامل الغرب بسطوع الألوان، بل حمل معه ظل المكسيك، وكتب على الجدار تاريخًا لا يُمحى، تاريخ الإنسان وهو يتعثر بين الحرية والاستبداد.
مات أوروزكو عام 1949، تاركًا إرثًا لا يهادن. لقد عاش كرسام بيد واحدة، لكنه منح العالم آلاف الأيدي المرفوعة، الممتدة، الممزقة، المشتعلة. جدارياته لم تكن صورًا فحسب، بل شهادات على أن الجدار يمكن أن يصرخ، وأن الفن حين يكون صادقًا يصبح هو الضمير نفسه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |