الزاباتيستيون: ثورة الهامش وبناء العالم الممكن

سعد بن علال
2026 / 1 / 16

1. تمهيد: حين يتكلم الهامش
في فجر الأول من يناير سنة 1994، بينما كان العالم يحتفل بدخول اتفاقية التبادل الحر لأمريكا الشمالية (النافتا) حيز التنفيذ، خرجت مجموعة مسلحة من جبال لاكندون في ولاية تشياباس المكسيكية لتعلن:
- “نحن الزاباتيستيون، وقد سئمنا الصمت."
كان ذلك الحدث أشبه بصفعة رمزية على وجه النظام العالمي الجديد. فبعد نهاية الحرب الباردة، ظنّ العالم أن النيوليبرالية أصبحت قدرًا لا رجعة فيه. لكن من بين الغابات، من أعماق مجتمعات السكان الأصليين المنسية، انطلقت صرخة ترفض هذا “القدر”، وتقول:
- «العالم لا ينتهي عندكم، هناك عوالم أخرى ممكنة».
2. الجذور التاريخية والفكرية
أ) من زاباتا إلى الزاباتيستيين
يستمد الزاباتيستيون اسمهم من القائد الثوري إيميليانو زاباتا، أحد رموز الثورة المكسيكية (1910–1919)، الذي رفع شعار:
- «الأرض لمن يفلحها».
لكن الزاباتيستيين الجدد لم يكتفوا بإحياء الاسم، بل أعادوا تأويله وتوسيعه:
فالنضال لم يعد فقط من أجل الأرض، بل من أجل الكرامة، والهوية، والسيادة المحلية، والعدالة الكونية.
ب) السياق الاجتماعي لتشياباس
تشياباس هي من أفقر ولايات المكسيك، رغم غناها بالموارد الطبيعية (النفط، الغابات، المياه). يعيش فيها ملايين من السكان الأصليين (المايا، التزوتزيل، التشول...) الذين ظلوا لعقود ضحايا للتمييز الطبقي والإثني.
جاءت العولمة لتعمّق الهوة: الشركات المتعددة الجنسيات استحوذت على الأراضي، والنيوليبرالية ألغت آخر أشكال الحماية الاجتماعية. من هنا، ظهرت الزاباتية كصرخة منسية ضد عالم يُفترض أنه موحّد.
3. لحظة الانفجار (1994)
في اليوم الأول من عام 1994، سيطر الزاباتيستيون على عدة مدن في تشياباس، منها سان كريستوبال دي لاس كاساس. حمل المتمردون أسلحة بسيطة وارتدوا أقنعة سوداء ترمز إلى غياب الوجه الفردي ووجود الجماعة.
أعلنوا عبر بيانهم الأول:
- “نحن الشعب المكسيكي الفقير. نحن الذين لا صوت لهم، وها نحن نتكلم.”
بعد أيام قليلة من المواجهات، تمّ وقف إطلاق النار، وبدأت حرب رمزية جديدة: حرب الكلمة، والمعنى، والتخيّل السياسي.
منذ ذلك الحين، لم تعد الزاباتية مجرد حركة مسلحة، بل مشروعًا سياسيًا – ثقافيًا – أخلاقيًا بديلًا للعالم القائم.
4. فلسفة الزاباتية: الكرامة كمفهوم سياسي
الزاباتيستيون لا يقدّمون أنفسهم كطليعة ثورية على النموذج اللينيني، بل كصوت جماعي يبحث عن معنى للعيش المشترك.
لقد صاغوا مبادئهم الأساسية في جملة بسيطة:
- «نسير ونحن نسأل.» (Caminamos preguntando)
أي أنهم لا يدّعون امتلاك الحقيقة، بل يسيرون في طريق مفتوح قوامه الحوار، والتجريب، والتصحيح الذاتي.
هذه الفلسفة تُجسّد ما يمكن تسميته بـ**“اليوتوبيا الواقعية”**: السعي إلى عالم عادل، دون وهم الكمال، بل عبر ممارسات يومية ملموسة للحكم الذاتي.
5. بناء الحكم الذاتي
بعد 1994، انتقلت الحركة من المواجهة العسكرية إلى بناء مجتمع بديل داخل المجتمع المكسيكي.
ظهرت ما يُعرف بـ:
البلديات المتمردة المستقلة (Municipios Autónomos Rebeldes Zapatistas)،
ومجالس «الحكم الصالح» (Juntas de Buen Gobierno)،
و«الكاراكولات» (Caracoles): مراكز للتنسيق الثقافي والسياسي والإداري.
في هذه المناطق:
لا توجد سلطة للدولة المكسيكية،
تُدار المدارس والمستشفيات محليًا،
تُنتخب القيادات بالتناوب،
تُتخذ القرارات عبر المجالس الشعبية،
وتُمارس المساواة الجندرية بشكل فعلي.
هذا النموذج يجسّد الديمقراطية الراديكالية، حيث تُمارس السلطة من الأسفل لا من القمة.
6. البعد النسوي في التجربة الزاباتية
منذ يومها الأول، أصدرت الحركة “قانون الثورة الخاص بحقوق المرأة”، الذي نصّ على حق النساء في المشاركة في النضال، واختيار أزواجهن، وتملّك الأرض، والتعليم والعمل والمساواة.
برزت شخصيات نسائية رمزية مثل القائدة رامونا والقائدة سوزانا، اللواتي مثّلن روح الزاباتية كتحرر مزدوج: تحرر من الرأسمالية ومن البطريركية في آنٍ واحد.
7. الأثر العالمي: من الغابة إلى الكوكب
تحوّلت الزاباتية بسرعة إلى رمز عالمي للمقاومة:
ألهمت حركات مناهضة العولمة في أوروبا وأمريكا،
شاركت في مؤتمرات "الكوكب الآخر ممكن"،
أصبحت نموذجًا نظريًا لحركات مثل "احتلوا وول ستريت" و"السترات الصفراء".
لم تعد الزاباتية مجرد تجربة محلية، بل لغة سياسية كونية ترفض مركزية الشمال وتؤكد على التعدد والاختلاف.
8. التحديات والانتقادات
رغم نجاحها الرمزي، تواجه الزاباتية اليوم صعوبات:
عزلة متزايدة عن المشهد السياسي الوطني،
ضعف الموارد الاقتصادية،
تصاعد عنف العصابات في تشياباس،
هجرة الأجيال الجديدة.
كما يتهمها بعض النقاد بالانغلاق أو الرومانسية السياسية، بينما يراها آخرون مختبرًا مستمرًا للحرية لا يُقاس بمعايير الدولة أو السوق.
9. التحولات الأخيرة (2023–2025)
في السنوات الأخيرة، أعلن الزاباتيستيون عن إعادة هيكلة شاملة لكياناتهم المستقلة، في استجابة لواقع العنف والمخاطر الأمنية في تشياباس.
لكن هذه الخطوة لا تعني الانهيار، بل تجديد الفكرة الأساسية: أن المقاومة ليست مؤسسات جامدة، بل كائن حي يتكيّف ويتغيّر.
10. الخاتمة والتحليل النظري: الزاباتية كوعي جديد للممكن
تُمثل الزاباتية تجربة فريدة في الفكر السياسي الحديث، لأنها كسرت الثنائية التقليدية بين الثورة والدولة. فهي لم تسعَ إلى الاستيلاء على السلطة، بل إلى إلغاء مركزيتها عبر خلق فضاءات حكم ذاتي من الأسفل.
بهذا المعنى، فإنها ليست “ثورة ناقصة”، بل نموذج مغاير للثورة، يقوم على تفكيك بنية السيطرة لا على وراثتها.
تُقدّم الزاباتية تصورًا جديدًا لماهية الفعل الثوري في زمن العولمة:
الثورة ليست لحظة انفجار، بل عملية بناء طويلة الأمد.
السلطة ليست غاية، بل تجربة اجتماعية قابلة للتداول والمساءلة.
اليوتوبيا ليست وعدًا مؤجلًا، بل ممارسة حاضرة في الحياة اليومية.
بهذا المعنى، أعادت الزاباتية تعريف السياسة كفعل إنساني جذري يستمد شرعيته من الكرامة والعيش المشترك، لا من الأيديولوجيا أو المؤسسات.
إنها تجربة تبحث عن معنى جديد للحرية في زمنٍ فقد فيه العالم الإيمان بالبدائل، وتذكّرنا بأن الثورة الحقيقية قد تبدأ من قاع الأرض، من صوت الذين لا يُسمعون، ومن الهامش الذي يصنع المركز الجديد.
فالزاباتيستيون لا يطلبون من العالم أن يتغيّر من أجلهم، بل يقولون للعالم:
- «نحن نبني عالماً صغيراً كي نثبت أن العالم الكبير يمكن أن يكون مختلفاً.»

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن