|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2026 / 1 / 15
في صباح من صباحات القاهرة الثقيلة - ثقيلة حتى لو كانت السماء صافية - وجدت نفسي أستعيد مشهدا لم أعشه: شاب في الخامسة والثلاثين، ببدلة كاكي، يقف على منصة بسيطة ويلقي بيانا سيغير مصائر الناس.
التاريخ كما كتب لا يذكرني بما فات،
الماضي نفسه يتكفل بالمهمة:
يمد يده إلى الحاضر كل يوم،
يفتح الأدراج القديمة، يوقع، ثم يغلقها.
لم أعش عهد عبد الناصر. لم أهتف له. لم أختبر نشوة 56 و لا اضطراب 65 ولا صدمة 67.
لكنني مثل ملايين ولدوا لاحقا، فتحت عيني فوجدت الدولة التي صاغها:
البيروقراطية نفسها، نبرة الإعلام نفسها، قداسة السلطة نفسها، وذاك الخليط الغريب من الكبرياء الوطنية والخوف المتوارث.
نحن جيل ورث الظل قبل أن يفهم الأصل.
تعرف على الرجل من صورته بعد الموت.
حين تحاول فك اللغز الناصري تكتشف سريعا أنك لا تتعامل مع تاريخ واحد، بل مع ثلاثة مصادر رئيسية للرواية، لكل منها انحيازه الواضح وحدوده الصارمة:
أولا. إعلام دولة مبارك: الخطاب الإعلامي الرسمي لم يتعامل مع عبد الناصر بوصفه تجربة سياسية قابلة للنقد أو المراجعة، بل قدمه كرمز تاريخي ثابت. احتفظ بصورة الزعيم، وتجنب الخوض في السياسات والنتائج، فبقي الاسم حاضرا، بينما غابت المناقشة.
ثانيا. شهادات الجيل الأكبر: وهي شهادات منقسمة بحدة، أشبه بخريطة سياسية لا ذاكرة شخصية. فريق يرى في عبد الناصر المخلص الذي منحهم الكرامة، وفريق آخر يراه أصل الاستبداد وبداية حكم الفرد.
بين الروايتين، تضيع التفاصيل الدقيقة للتجربة نفسها.
ثالثا. المناهج الدراسية: تعاملت مع الحقبة الناصرية باعتبارها مادة للحفظ لا مجال فيها للسؤال أو الجدل. التاريخ هنا يقدم كمعلومات مغلقة، لا كتجربة يمكن فهمها أو محاكمتها أو التعلم منها.
هكذا تشكلت صورة غريبة في وعينا: عبد الناصر كائن هلامي، يمكن أن يكون الملاك والشيطان في آن واحد. وعندما تتكون الذاكرة بهذه الطريقة، تصبح أكبر من التاريخ وأكثر تأثيرا عليه.
من يقرأ وثائق تلك المرحلة يدرك أن الرجل كان مشروعا وجوديا للدولة، لا مجرد رئيس.
والمهم هنا ليس "الحكم السياسي" لكن الأهم "البنية" التي أنشأها:
١ دولة مركزية شديدة التماسك
بدأت كضرورة للتحرر الوطني، وانتهت - بعد عقود - إلى مركزية تخنق المبادرة الفردية، وتعتبر المجتمع "موردا" لا شريكا.
٢ جهاز أمني يراقب المجال العام
نشأ من خوف حقيقي على المشروع الوطني، لكنه استمر بعد رحيل أصحابه كجهاز يراقب فقط لأنه يراقب.
٣ خطاب قومي يرى الدولة باعتبارها "الأب"
خطاب يمنح المواطنين كرامة كأمة، لكنه يقتطع من حرياتهم كأفراد.
هذه التناقضات - العدل والقبضة، التحرر والهيمنة، التنمية والإقصاء - لم تختف برحيل الرجل، بل أصبحت جزءا من DNA الدولة المصرية.
ولهذا نبدو في كثير من الأحيان كأننا نعيش في تجربة ناصر، بعد أن خرج عنها أصحابها.
أبناء عصر مبارك - والعقود التالية - تعرفوا على عبد الناصر بطريقة تشبه كثيرا التعرف على أسطورة يونانية:
مناضل وطني : منح المصريين شعورا غير مسبوق بالكرامة، ووقف أمام قوى عظمى في لحظة ضعف عربية.
هذا صحيح بالوثائق: أزمة السويس، مواقف حركة عدم الانحياز، دعم حركات التحرر.
قائد سلطوي: ألغى التعددية الحزبية، قمع الحريات، وأدار دولة لا تعترف كثيرا بالاختلاف.
وهذا أيضا مثبت بالأوراق: محاكمات 1954، قوانين تقييد الصحافة، توسع صلاحيات الأمن.
مهندس مشروع اجتماعي تقدمي: إصلاح زراعي، مجانية التعليم، توسيع الطبقة الوسطى، سياسات تصنيع ثقيلة: محفوظة في تقارير الأمم المتحدة وتقارير البنك الدولي في الستينيات.
- ومهندس دولة تسببت مركزيتها في جمود طويل
شهدته السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.
و السؤال: كيف يمكن لعقل واحد أن يحتمل كل هذا التناقض؟
الإجابة لا يحتمله، هو يتعايش معه كما نتعايش مع شوارع القاهرة: جميلة، ومختنقة في الوقت نفسه.
حين تتأمل المشهد السياسي الحالي، تجد قياسا مستمرا - وعفويا - على التجربة الناصرية.
كأن الرجل معيار نقيس عليه نجاحات لم تتحقق، وأخطاء لم نتعلم منها.
مثال واضح:
كلما ظهرت دعوة للعدالة الاجتماعية، يستدعى ناصر.
كلما اتسع نفوذ الأجهزة الأمنية، يستدعى ناصر.
كلما عشنا أزمة اقتصادية، يذكر "مشروع التصنيع".
كلما ضاقت الحريات، يذكر "الدولة الصلبة".
لم يعد الرجل جزءا من التاريخ، بل تحول إلى مقياس حرارة نختبر به أمراض عصرنا،
حتى تلك التي لم يعشها ولم يعرفها.
السؤال المنطقي: كيف نفكك التجربة دون أن نستخدم مطرقة الأحقاد الصغيرة أو مبخرة التمجيد الكسولة؟
قد لا نملك إجابات نهائية، لكن يمكن بدء النقاش من ثلاث نقاط واضحة:
١ الاعتراف بأن التجربة نتاج زمنها، لا زمننا: ظروف التحرر الوطني، بنية الاقتصاد العالمي، طبيعة الصراع العربي - الإسرائيلي، كانت كلها عناصر تفرض خيارات محددة قد لا نقبلها اليوم، لكنها لم تكن عبثية آنذاك.
٢ فصل "قيم المشروع" عن "آليات السلطة" العدالة الاجتماعية ليست بالضرورة معادية للديمقراطية، لكن التجربة المصرية ربطتهما - مع الأسف - برابطة قدرية.
٣ قراءة الوثائق بدلا من الشعارات: لا صورة حقيقية لعبد الناصر دون قراءة محاضر مجلس قيادة الثورة، تقارير البنك الدولي، الوثائق البريطانية والأمريكية، أرشيف الأمم المتحدة.
حين أنظر إلى الرجل اليوم لا أراه "بطلا" ولا "جلادا"،
أراه سؤالا معلقا في الفراغ:
كيف تبني عدالة اجتماعية دون دولة أمنية؟
كيف تصنع كرامة وطنية دون تقليص حرية الفرد؟
كيف تدير مشروعا جماعيا دون سحق الإرادة الفردية؟
هذا هو الامتحان الذي ورثناه نحن الذين لم نعش عصر عبد الناصر.
امتحان لا يصحح إلا في المستقبل، ولا توجد إجابة نموذجية له.
الرجل رحل في 1970، لكن أثره ما زال يمشي في دهاليز الدولة، وفي مفاصل المجتمع، وفي الذاكرة العامة. والمفارقة أنه - دون أن يقصد - علمنا درسا لم نقدر أن نستوعبه بعد:
أن بناء مشروع عظيم لا يغني عن السؤال الأبدي: كيف نحمي الإنسان من المشروع نفسه؟
وهذا هو ميراثنا الحقيقي.
لا خطبه.
ولا صوره.
ولا هتافات جيل لم نكن جزءا منه.
بل سؤال مفتوح، نعيش داخله أكثر مما نعيشه خارجه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |