|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد لفته محل
2026 / 1 / 14
على مدى عامين من الحرب عملت اسرائيل بجرائمها المدعومة من معظم الدول الغربية على ايصال استنتاج مفاده ان عملية طوفان الاقصى الذي سموه "السابع من اكتوبر" كان غلطة جسيمة من الفلسطينيين وثمن تكاليفها كان ابهض بما لا يقارن من مكتسباتها. بتعبير آخر القاء اللوم على الضحايا. وان اي مقاومة لاسرائيل مستقبلا يجب ان لاتخطر ببال الفلسطينيين لان الاوضاع سوف تكون أسوأ من السابق. وعليه منطقيا القبول بالرضوخ والاحتفاظ بما تبقى من الارض والحقوق، والقبول بحقيقة ان اسرائيل سوف تستمر بالاستيطان والقتل حتى مع خضوع الفلسطينيين.
الحرب على غزة تحولت لاحقا حربا على فلسطين عندما ادخلت اسرائيل الضفة الغربية ضمن اهداف الحرب غير المباشرة بتكثيف الاستيطان وهدم البيوت ومصادرة الاراضي واعتداء المستوطنين واقتحام المدن بالجيش واقتحام القدس الشرقية والتهديد باعلان السيادة على الضفة الغربية.
بعد عملية طوفان الاقصى تسربت بعض التصريحات الاسرائيلية في لحظات غير طبيعية لاسرائيل كتفسير لطوفان الاقصى. مثل القول ان نتنياهو كان يقبل بدخول الاموال لحماس حتى يكرس الانقسام الفلسطيني الذي يؤبد استحالة قيام الدولة الفلسطينية. والقول ايضا ان اسرائيل اخطأت بايقاف الحروب الدورية الممنهجة التي كانت تكرر النكبات الفلسطينية وتمنع اي نهضة مسلحة او سياسية.
ان الذين وضعوا خطة طوفان الاقصى ركزوا كل جهدهم على الجانب التقني والتكتيكي اكثر من الجانب السياسي، وجميع تصوراتهم السياسية مبنية على تجارب سابقة مع اسرائيل المتمثلة بتبادل الرهائن مقابل الاسرى، ناسين او غير مدركين ان ضخامة الحدث الامني والسياسي قد غير اسرائيل التي عرفت من الايام الاولى ابعاد الحدث. واضعوا الخطة ربما كانوا يتصورون ان الحرب لن تتجاوز اسابيع او اشهر فقط. وركزوا على الدفاع اكثر من الهجوم، ولو كان العمق الاسرائيلي مستهدف طوال الوقت لما طالت الحرب عامين (استهداف العمق الاسرائيلي هو السبب في انهاء الحرب في ايران ولبنان). صحيح ان المقاومة لم تهزم عسكريا لكن اسرائيل عوضت عن ذلك باستهداف المدنيين كجزء من اهداف الحرب بمشاركة معظم الدول الغربية. وهذا ربما لم يكن متوقعا من المقاومة. فكان احد وسائل الضغط الصعبة جدا عليها.
هل كان هدف تهجير الفلسطينيين هو مجرد هدف وهمي لاعطاء تنازلات وهمية للعرب؟ والا كيف لهدف ان ينشر بالجرائد ("خطة الجنيرالات") ومشروع ترامب الخيالي عن "ريفيرا الشرق الاوسط" وذكر اسماء دول لاستقبال الفلسطينيين، نفت هذه الدول وجود اي علاقة لديها لاستقبال الفلسطينيين!؟
القنوات الفضائية الاوروبية الناطقة بالعربي تدعم اسرائيل بطريقة غير مباشرة، فتحت مسمى الحياد الاعلامي يساوى الجلاد بالضحية، فالقتلى الفلسطينيون يقال عن اعدادهم "بحسب وزارة الصحة في غزة" حتى يترك مساحة للتشكيك بالعدد! على الرغم من مطابقة هذه الاعداد لتقديرات الامم المتحدة واحيانا تكون اقل. وطبعا يختفي هذا الحياد في الحرب الروسية الاوكرانية! وتستخدم هذه القنوات الخبر المبتور مثل القول "وفاة فلسطيني نتيجة البرد او نقص الدواء" دون استكمال الخبر "بسبب المنع الاسرائيلي للخيم والادوية"! وبثت هذه القنوات على مدى عامين وثائقيات عن الهولوكوست اثناء تنفيذ اسرائيل الابادة في غزة! او قيامها ببث وثائقيات عن اوضاع غزة قبل وبعد الحرب في اظهار للفارق المعيشي بين ما قبل وبعد الحرب. وكأن غزة لم تكن توصف ب"السجن الكبير" والمفروض عليها حصار اقتصادي شامل، وجرت عدت محاولات لكسره من منظمات مدنية مع صمت وتواطئ دولي على هذا الحصار.
بعض الدول الغربية المشاركة في الجريمة راحت تحاول تخيف العبء عن ضميرها (ان كان لها ضمير اصلا) بالتنديد بجرائم الحرب فقط! دون اي اجراء عقابي وانما التلويح بعقوبات محدودة لم يتم تنفيذ اي عقوبة منها. وبدل ذلك يتم التركيز على المساعدات الانسانية فقط! مع الاستمرار بالدعم العسكري لإسرائيل! ثم ابتكروا حيلة الاعتراف بالدولة الفلسطينية دون اي تغيير بالدعم المطلق لإسرائيل. ان حرب الابادة على غزة لم يحرجهم فيها الاستهداف الممنهج للمدنيين كجزء من اهداف الحرب ولا الاعداد الهائلة، انما لان هذه الحرب اظهرت نفاقهم، فقد كان عليهم ان يتخذوا موقفا بين خيارين لا ثالث لهما: اما ان يدعموا جرائم اسرائيل بالعلن (وهذا ما فعلوه بالسر) مثل اميركا، او يدينوها بالعلن (ادانوها بالكلام فقط) وللحفاظ على القناع الانساني الاممي لأوروبا، تركوا المجازر تحدث لعامين، وعندما بدأوا يدينون الجرائم، قاموا بشٌخصنة هذه الجرائم برئيس الوزراء فقط. وبتلك الحيلة فُصل رئيس الوزراء عن سياسة اسرائيل الثابته من الفصل العنصري والنظام اللاهوتي المتطرف والسياسة الاستيطانية والتوسعية لاحتلال الاراضي بالقوة، والحرب الدورية على فلسطين والدول المجاورة.
ثم تدور الايام وترتد خساسة القادة الاوروبيون عليهم في الحرب الروسية الاوكرانية، ليعيشوا نفس مأساة العرب مع اسرائيل، روسيا تقضم اراضي بالقوة وبتأييد اميركي، تهدد امنهم القومي.
من الاشياء الملفته في الحرب على غزة هو عدم انقطاع الانترنت عنها الا اثناء تنفيذ الجيش الاسرائيلي عمليات خاصة. وهذا باعتقادي راجع لدور الانترنت الحيوي في التجسس كأداة في الحرب على غزة حيث تعاون غوغل وامازون ويوتيوب وغيره مع اسرائيل اثناء الحرب. عندما روجوا لانكار المجاعة في غزة، واتاحة بيانات المستخدمين في غوغل لاسرائيل، وتزويدها باحدث برامج الذكاء الصناعي لغوغل. واضافوا لإنكار المجاعة في غزة "انكار السابع من اكتوبر" باعتباره جريمة كجريمة انكار الهولوكوست. وراح يوتيوب يضع مادة انشائية ملزمة تحت كل فيديو عن نورنبرغ تتكلم عن الهولوكوست ومنكريه وفق السردية الاسرائيلية!!.
اخطر ما في هذه الحرب هو السردية الاسرائيلية الاميركية التي ربطت بين طوفان الاقصى والابادة (التي سموها "حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها") والتي تبناها بعض العرب بحسن نية تعاطفا مع المدنيين الفلسطينيين دون الانتباه الى السم بالعسل. المتمثلة بعبارة "ان هجوم حماس اعطى الحجة لإسرائيل لقتل المدنيين" وهذا القول بذاته تبرير للجريمة دون قصد. ان ابادة المدنيين جريمة بحد ذاتها في القانون الدولي وفي الضمير الاخلاقي، ولا يوجد اي سبب قانوني او اخلاقي يتيح قتل المدنيين بأي حجة وذريعة كانت. والمحكمة ادانة رئيس الوزراء ووزير الدفاع الاسرائيلي بالجريمة دون الربط بين الجريمة والطوفان. وهذه نقطة على السطر. فمن الخطأ الجسيم الربط بين الطوفان او بين هجوم حماس وبين الابادة. لان هذا المنطق تأكيد لمقولة "القاء اللوم على الضحايا". وعملت هذه السردية ايضاً على فصل طوفان الاقصى عن الحصار المفروض والحروب الدورية على غزة، وجعلت الطوفان هو لحظة الصفر، لتبدوا اسرائيل كضحية لجار معتدي عليها.
بالمحصلة ان طوفان الاقصى كان حدث سياسي مهم لكنه لم يحقق اهدافه الاساسية بعد عامين، وانما حصل على مكتسبات محدودة، ونقطة ضعفه التكتيكية انه كان دفاعيا جيدا اكثر من كونه هجوميا (باستثناء اليوم الاول كان هجوميا). وسياسيا لم يحقق سوى اعادة القضية الفلسطينية للمسرح الدولي والاعتراف الاوروبي المنافق بالدولة الفلسطينية.
وتداعياته الكونية كانت اظهار هشاشة النظام الدولي الامريكي وتحنطه وبداية نهاية هذا النظام الاحادي القطبية. وفضح الوجه الاوروبي المنافق التابع للمسخ الاميركي. ولا اعتقد ان هناك امكانية لاصلاح العطب الذي اصاب النظام الدولي المحتكر اميركيا.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |