تحية كاريوكا: حين يواجه الجسدُ السلطة

سعد بن علال
2026 / 1 / 12

ليست تحية كاريوكا مجرد راقصة خرجت من الهامش إلى الضوء، بل حالة ثقافية وسياسية نادرة، تقاطعت فيها الفنون الشعبية مع السياسة، والجسد مع السلطة، والجرأة الفردية مع بنية الحكم. ما يجعلها استثناءً ليس فقط ما قالته، بل لمن قالته، وفي أي زمن، وبأي كلفة.
في كازينو الأوبرج، في قلب الهرم، حيث كانت ترقص، لمحت الملك فاروق. لم تركع، لم تتودد، لم تتجاهل. اقتربت منه وقالت جملة تختصر علاقتها بالسلطة:
«مكانك مش هنا يا جلالتك، مكانك في القصر».
لم يكن ذلك تمردًا مسرحيًا، بل فعل وعي حاد بمكانة السلطة وحدودها. انسحب الملك بهدوء، بلا عقاب. ليس لأن الملك متسامح، بل لأن اللحظة فضحته: سلطة بلا هيبة حين تُواجَه بصدق فجّ.
لاحقًا، في زمن الاغتيالات السياسية والارتباك الوطني، أخفت أنور السادات في منزل شقيقتها بعد مقتل أمين عثمان. فعلته لم تكن حسابًا سياسيًا، بل موقفًا إنسانيًا في لحظة خطر. لكن التاريخ لا يكافئ دائمًا الذاكرة القصيرة. حين انتقدت السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد، لم يُستدعَ ذلك الجميل القديم. سُجنت. هنا تتكشّف بنية السلطة: لا تعرف الوفاء، تعرف فقط الطاعة.
ومع الضباط الأحرار، الذين بشّروا بقطيعة مع الملكية، قالت تحية جملتها الأشد قسوة:
«أنتم لا تختلفون عن الملك والملكية».
لم تقلها من موقع تنظير أيديولوجي، بل من حسّ شعبي يلتقط الاستمرارية حيث يدّعي الخطاب القطيعة. فجاء الرد سريعًا: السجن، بتهمة الانضمام إلى خلية شيوعية. التهمة الجاهزة لكل من يرى ما لا يجب أن يُرى.
أما مع حسني مبارك، فقد كان الجسد قد أنهكه الزمن، لكنها لم تفقد حدّة الكلام. على كرسي متحرك، قالت له:
«يا ريس، في ناس بتنام من غير عشاء».
جملة بسيطة، بلا استعارات، بلا لجان. حين ردّ بـ«كل حاجة ولها حل»، قاطعته بوعي الفقراء:
«أنا ما أفهمش الكلام الطخين ده… ما تسيبش حد من غير عشاء».
واقترحت حلًا مباشرًا، شبه ساذج في بساطته، لكنه فاضح في دلالته: اقتطعوا القليل من صناعة الترف، وأعطوه لمن لا يملكون الحد الأدنى.
تحية كاريوكا لم تكن معارضة منظمة، ولا مثقفة عضوية بالمعنى التقليدي. لكنها امتلكت ما تفتقده النخب أحيانًا: حدس العدالة. لم تطلب سلطة، ولم تسعَ إلى تمثيل أحد، لكنها واجهت الجميع: ملكًا وثلاثة رؤساء، من الموقع ذاته: موقع الإنسان الذي يرفض أن يصمت.
في زمنٍ يُطلب فيه من الفن أن يكون زينة، ومن الجسد أن يكون طيعًا، اختارت تحية كاريوكا أن يكون جسدها وكلامها خارج الطاعة. ولهذا، لم تغفر لها السلطة، أيّ سلطة، صدقها.
إنها ليست أسطورة، بل مرآة: كلما نظرنا إليها، رأينا كيف تتشابه الأنظمة حين تُختبر بكلمة صادقة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن