عزيز لمنبهي … الغائب الحاضر

سعد بن علال
2026 / 1 / 13

في مساء غشت حزين من 2025، غاب عن عالمنا المناضل عزيز المنبهي، أحد أبرز الوجوه التي شكّلت وجدان الحركة الطلابية واليسارية المغربية. لم يكن رحيله حدثاً عادياً، لأن أسماء من طينته لا تنطفئ بغياب الجسد، بل تتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية، وإلى مرآة تعكس عناد الفكرة واستمرارية الحلم.
من الجامعة إلى المنفى
وُلد المنبهي بمراكش سنة 1950، في زمنٍ كان المغرب يخرج لتوّه من الاستعمار ويبحث عن طريقه بين الاستقلال الشكلي والحرية المؤجلة. منذ دخوله الجامعة أواخر الستينيات، انخرط في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وسرعان ما سيبرز كأحد أبرز قياداته. سنة 1972، وفي المؤتمر الخامس عشر، سيُنتخب رئيساً للاتحاد، وهناك ستُصاغ تحولات تاريخية: الاعتراف بالقضية الفلسطينية كقضية وطنية، وربط النضال الطلابي بأفق التحرر الديمقراطي والاشتراكي.
لكن طريق الحلم لم يكن مفروشاً إلا بالدموع والحديد. انخراطه في منظمة “إلى الأمام” جعله هدفاً للقمع، فكان الاعتقال، وكان التعذيب، وكان المنفى الطويل بفرنسا. ومع ذلك، لم ينكفئ على ذاته، بل ظلّ حاضراً في كل معركة تضامن، شاهداً على سنوات الرصاص، ومذكّراً بأن المنفى لا يلغي الانتماء ولا يطفئ الجذوة.
شعلة سعيدة
ارتبط اسم عزيز المنبهي أيضاً بشقيقته سعيدة المنبهي، أيقونة الصمود التي ارتقت شهيدة في إضرابها عن الطعام سنة 1977. لم تكن سعيدة بالنسبة إليه مجرد مأساة شخصية، بل كانت البوصلة التي تذكّره كل صباح بأن للحرية ثمن، وأن الوفاء للشهداء ليس ذكرى سنوية، بل التزاماً يومياً لا يعرف التراجع.
ثبات رغم الخلاف
قد يختلف رفاق درب الأمس واليوم مع عبد العزيز المنبهي في بعض تقديراته السياسية أو قراءته لتعقيدات الواقع المغربي، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أنه مات وفياً لفكرته حتى النهاية. ظلّ يعلن بلا مواربة:
"كنت ماركسياً لينينياً، وسأظل ماركسياً لينينياً، وسأموت ماركسياً لينينياً."
لم يكن ذلك مجرد شعار، بل قسم رجل عاش حياته كلها على إيقاع المبدأ، رافضاً أن يساوم على ذاكرة الشهداء أو أن يبدّد إرث الحركة التي انتمى إليها.
إرث لا يمحوه الغياب
اليوم، يرحل المنبهي تاركاً وراءه إرثاً يتجاوز الخلافات: إرث النقاء في زمن التباسات، إرث الوفاء في زمن المساومات. سيبقى صوته ماثلاً في وجدان الطلبة حين يهتفون للحرية، وفي عيون المناضلين حين يستعيدون لحظة من لحظات التاريخ التي كتبت بالدم والعرق والوفاء.
وداعاً أيها الرفيق
نم قرير العين يا ابن مراكش، يا أخاً لشهيدة لم تمت، ويا صوتاً ظلّ عصياً على الصمت. لقد أدّيت نصيبك من الألم، ووهبتنا درساً في الثبات. رحلت، لكنك تركت ما يكفي من ضوء لنمشي في العتمة دون أن نفقد البوصلة.

سلام عليك في رحيلك، وسلام على حلم لم يمت، وعلى ذاكرة ستظل تنبض باسمك.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن