|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
البشير عبيد
2026 / 1 / 11
البشير عبيد - تونس
لم تكن أمريكا اللاتينية يومًا خارج نطاق الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة، بل شكّلت منذ منتصف القرن العشرين أحد أهم مسارح التدخل السياسي والاقتصادي والأمني. ففي هذا الفضاء الجغرافي، تداخلت اعتبارات الأمن القومي مع مصالح الشركات العابرة للقوميات، وأُعيدت هندسة أنظمة الحكم بما يضمن بقاء المنطقة ضمن المدار الأمريكي. ومن الانقلابات العسكرية الصريحة إلى أدوات الضغط المركّبة في العقود الأخيرة، حافظ التدخل على منطقه الثابت، وإن تغيّرت وسائله. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما تعرّض له الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من محاولات عزل وانقلاب واستهداف شخصي عن مسار تاريخي أقدم، يبدأ باغتيال الرئيس التشيلي سلفادور أليندي، ولا يزال يتجدّد بأشكال مختلفة حتى اليوم.
لقد تبدّلت اللغة السياسية، وتطوّرت أدوات التأثير، غير أن الهدف ظلّ واحدًا: منع تشكّل مشاريع سياسية سيادية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والثروة، أو تخرج عن منطق التبعية الاقتصادية والسياسية المفروضة على دول الجنوب.
أليندي والحدّ الفاصل للديمقراطية
حين وصل سلفادور أليندي إلى الحكم عام 1970 عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة، بدا الحدث في نظر واشنطن تجاوزًا غير مقبول لقواعد اللعبة غير المعلنة. فالإشكال لم يكن في الآلية الديمقراطية ذاتها، بل في مضمون المشروع السياسي، الذي سعى إلى تأميم الموارد الاستراتيجية، وإعادة توزيع الثروة، وتعزيز دور الدولة الاجتماعي، ضمن إطار دستوري وقانوني.
وقد كشفت الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقًا حجم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي مورست على تشيلي، من تجفيف التمويل الخارجي إلى دعم قوى المعارضة، وصولًا إلى اختراق المؤسسة العسكرية. ولم يكن انقلاب عام 1973 مجرّد حدث عسكري، بل تتويجًا لمسار ممنهج استهدف كسر نموذج سياسي اعتُبر خطرًا رمزيًا، لأنه أثبت أن التحول الاجتماعي يمكن أن يتم عبر صناديق الاقتراع لا عبر السلاح.
منذ تلك اللحظة، رُسم حدّ فاصل واضح: الديمقراطية مقبولة ما دامت لا تمسّ جوهر المصالح الاقتصادية الكبرى، ولا تُهدّد بنية الهيمنة القائمة في المنطقة.
فنزويلا: من الاحتواء إلى الاستهداف المباشر
مع صعود هوغو تشافيز أواخر التسعينيات، عادت فنزويلا إلى قلب هذا الصراع. فقد أعاد المشروع البوليفاري الاعتبار لدور الدولة في إدارة الثروة النفطية، وطرح خطابًا سياديًا يتجاوز الإطار الوطني نحو بناء تحالفات إقليمية ودولية بديلة. ومع أن واشنطن حاولت في البداية احتواء هذا التحول، فإن فشل تلك السياسة دفعها لاحقًا إلى الانتقال نحو الاستهداف المباشر.
بعد رحيل تشافيز، وجد نيكولاس مادورو نفسه أمام مشهد داخلي معقّد: اقتصاد ريعي هش، استقطاب سياسي حاد، وضغوط اجتماعية متزايدة. تزامن ذلك مع تصعيد خارجي غير مسبوق، تمثّل في فرض عقوبات اقتصادية واسعة، ومحاولات نزع الشرعية السياسية، والاعتراف بسلطة موازية، في سابقة لافتة في العلاقات الدولية المعاصرة.
وفي هذا السياق المتوتر، برزت تقارير عن محاولات استهداف شخصي للرئيس الفنزويلي، بما في ذلك سيناريوهات اختطاف أو تصفية. وسواء جرى إحباط هذه المحاولات أو بقيت في إطار التخطيط، فإن مجرد تداولها يعكس انتقال المواجهة من مستوى الضغط السياسي والاقتصادي إلى مستوى المسّ المباشر برأس السلطة.
تحوّل أدوات التدخل الإمبريالي
تُظهر الحالة الفنزويلية أن التدخل لم يعد يعتمد على الانقلاب العسكري الكلاسيكي، بل على مزيج معقّد من الأدوات: خنق اقتصادي طويل الأمد، حرب إعلامية عابرة للحدود، عزلة دبلوماسية مدروسة، إضافة إلى توظيف فاعلين غير رسميين، من شركات أمنية خاصة إلى مجموعات تعمل في مناطق رمادية بين القانون والسياسة.
يوفّر هذا النموذج الجديد هامش إنكار سياسي واسع للقوى المتدخلة، ويقلّل كلفة التدخل المباشر، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من التأثير. كما يسمح بإعادة إنتاج الأزمة بصورة مستدامة، بحيث تتحوّل الدولة المستهدفة إلى ساحة استنزاف داخلي دائم.
في هذا الإطار، يصبح استهداف القيادة السياسية أحد عناصر استراتيجية أشمل، تهدف إلى إضعاف الدولة من الداخل، وزعزعة ثقة المجتمع بمؤسساته، ودفعه نحو التفكك أو الانهيار التدريجي، بدل المواجهة العسكرية المفتوحة.
التداعيات الإقليمية والدروس المستخلصة
لا يمكن فهم ما يجري في فنزويلا بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع في أمريكا اللاتينية، حيث تواجه القوى التقدمية تحديات متزايدة في الحفاظ على توازن دقيق بين السيادة الوطنية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي. وقد أفرزت التجربة الفنزويلية وعيًا سياسيًا جديدًا لدى عدد من هذه القوى، يقوم على الحذر من الصدام المباشر مع مراكز القوة الدولية، دون التفريط الكامل في الاستقلالية.
في المقابل، أعادت هذه التطورات طرح أسئلة جوهرية حول صدقية الخطاب الدولي المتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فالتعامل الانتقائي مع الشرعية السياسية، وتجاهل أثر العقوبات على المجتمعات، يسلّطان الضوء على الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية في السياسة الدولية.
من تشيلي السبعينيات إلى فنزويلا اليوم، يتكرّر نمط التدخل وإن اختلفت أشكاله. فالتاريخ السياسي لأمريكا اللاتينية يكشف أن الصراع لم يكن يومًا بين الديمقراطية والاستبداد بقدر ما كان بين الاستقلال والهيمنة. وبينما تستمر هذه المواجهة بأدوات جديدة وأكثر تعقيدًا، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة المنطقة على إنتاج مسار سيادي مستدام، قادر على الصمود أمام الضغوط الخارجية، دون السقوط في العزلة أو الانهيار الداخلي.
- كاتب صحفي و باحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي / الصهيوني.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |