|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 1 / 11
ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر
تسارغراد
11 كانون الثاني/يناير 2026
تتفاقم الأوضاع، وعلى مستوى العالم كله – ومن المستحيل عدم ملاحظة ذلك. تتراكم ملامح صورة قاتمة. روسيا تبدأ بالتراجع. وقد أعلن ألكسندر دوغين بحزم: «لا بد من تغيير شيء ما. وبصورة عاجلة». وفي الوقت نفسه، أفادت مصادر مطّلعة بأن الولايات المتحدة أرسلت قوات جديدة للإستيلاء على ثلاث أو أربع ناقلات نفط قبالة السواحل البريطانية.
عصر «القصور الذاتي»* يقترب من نهايته
من المؤسف أن روسيا تفقد إيقاعها في السياسة العالمية. وقد بات ذلك واضحاً على نحو مفاجئ في كل شيء: من المفاوضات [الغريبة] حول وقف إطلاق النار، التي كان ينبغي وقفها منذ زمن، إلى هجوم واحد وتسعين طائرة مسيّرة على مقر القائد الأعلى، إلى أحداث فنزويلا والإستيلاء على ناقلة نفط. الحرب الحديثة هي السرعة. وهي أيضاً إشارة رمزية واضحة. وفي هذا المجال تتراكم لدينا صورة سيئة للغاية. لقد حان منذ زمن طويل وقت قرارات قسرية جريئة وصادمة. قرارات لا تنتمي إطلاقاً إلى منطق «لا تنجرّوا وراء الإستفزازات». فالحروب الحديثة هي إستفزازات خالصة. ومن لا يكون مستعداً لذلك، لن ينتصر. وبكلمة واحدة: لا بد من تغيير شيء ما. وبشكل عاجل،
هكذا دعا مدير معهد «تسارغراد»، الفيلسوف والمفكر والناشط الإجتماعي والسياسي ألكسندر دوغين.
وكان قد تبيّن في وقت سابق أن عملية الإستيلاء على ناقلة النفط «مارينيرا» جواً جرى تأمينها بواسطة طائرة التزوّد بالوقود Boeing KC-135T Stratotanker، وطائرة الدورية Boeing P-8A Poseidon التابعة لسلاح الجو الأمريكي، إضافة إلى طائرة بريطانية من الطراز نفسه Boeing Poseidon MRA1. كما تعمل في المنطقة سلسلة كاملة من طائرات المهام الخاصة الأمريكية من نوع Pilatus U-28A Draco.
وبغض النظر عن مآل قصة الناقلة «مارينيرا» (وكذلك، بحسب التقارير، الناقلة «صوفيا»)، فإن كل ما يجري، بحسب موقع «الوقائع العسكرية»، ينتهي منطقياً إلى سؤالين أساسيين.
أولهما: هل كان على متن السفينة حراسة مسلّحة و/أو مجموعات قتالية أم لا؟ فأي سفينة تجارية في منطقة عالية المخاطر من دون مرافقة تتحول تلقائياً إلى هدف هشّ. وإذا كانت السفينة تسير من دون حماية، فإن مسألة إحتجازها أو الإستيلاء عليها تصبح مجرد مسألة توقيت مناسب، لا أكثر.
أما السؤال الثاني فيتعلق بإمتلاك روسيا لما يمكن تسميته «الذراع البعيدة» الحقيقية، أي القوى والوسائل القادرة على تأمين مرافقة مسلّحة للأسطول التجاري خارج المياه الإقليمية الساحلية. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بإنتشار دائم، بل بإمكانية مبدئية لتجميع ونشر مجموعة بحرية بسرعة – مع مكوّن جوي ووسائل دفاع جوي – وبحجم كافٍ على الأقل لخلق مشكلات جدية لأي خصم محتمل.
إن قصة «مارينيرا» تُظهر بوضوح أن العصر الذي كان بالإمكان فيه الإعتماد على قصور ذاتي للقواعد القديمة والضمانات الشكلية لأمن الملاحة البحرية قد إنتهى فعلياً. فإذا كان اللاعبون الكبار يسمحون لأنفسهم بإستخدام القوة ضد الأسطول التجاري، فإن الآخرين سيبدؤون قريباً في التصرف بالطريقة نفسها.
لم يعد السؤال اليوم هو: هل نحتاج إلى المرافقة وإلى إسقاط القوة؟ بل: من، ومتى، سيعترف بأن الأسطول التجاري، من دون هذه الأدوات، يتحول إلى ورقة للمساومة. إن الزمن الذي كان يمكن فيه الإستغناء عن مثل هذه الوسائل، يبدو أنه يشارف على الزوال بالفعل. ويبقى سؤال آخر: بماذا وكيف يمكن الرد على ذلك، في حين أن فكرة إمتلاك حاملات طائرات في روسيا كانت تُعدّ دائماً أمراً فائضاً وغير ضروري، بينما الطراد الحامل للطائرات الوحيد «الأدميرال كوزنيتسوف» لم يعد قادراً على أداء مهامه.
من التالي؟
جاء «الإنقاذ من الأزمة» من حيث لم يكن متوقعاً. إذ صرّح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس:
«كانت تلك ناقلة نفط روسية مزيفة. لقد حاولوا، في جوهر الأمر، أن يتقمصوا صفة ناقلة نفط روسية للإلتفاف على نظام العقوبات. لكن الناس يسألون دائماً: كيف نسيطر على فنزويلا؟ ونحن نشاهد ذلك فعلياً في الوقت الحقيقي».
وأضاف المحارب السابق في «فاغنر» وصاحب قناة «كوندوتييرو»: «يبقى فقط أن نعرف أين سفننا وغواصتنا التي كانت “تسارع لمساعدة الناقلات”».
وفي الوقت ذاته، أعلن وزير الحرب الأمريكي هيغسِت أن العمليات ضد الناقلات تهدف إلى عرقلة نفط خاضع للعقوبات. وفي نهاية حديثه إستخدم عبارة «في جميع أنحاء العالم»، أيّاً كان ما تعنيه. ويبدو أن هذه هي الخطوة الأولى في محاولة لإجبار روسيا والصين على التخلي عن العمل مع فنزويلا.
تكمن المشكلة الأساسية في الرواية القائلة إن غواصة روسية كانت ستستقبل ناقلة «مارينيرا» في أن مصداقيتها تقترب من الصفر. فهناك أسئلة كثيرة لا يحاول أحد حتى الإجابة عنها: لماذا هذه الناقلة بالذات؟ ولماذا إستدعى الأمر فجأة غواصة نووية لمرافقتها بدلاً من قوات سطحية؟ ولماذا يُعرض كل شيء على أنه عملية طارئة «إكتشفها الصحفيون مصادفة»؟ هذه التفاصيل لا تستقيم حتى على المستوى الأساسي، كما تشير «الوقائع العسكرية».
في هذا السيناريو، الغواصة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل رمزاً. رمزاً لفكرة أن موسكو – وفقاً لهذه الرواية – تردّ متأخرة، وحتى في هذه الحالة لا تسيطر على مجريات الأمور.
وبحسب الخريطة والمعلومات الواردة، لم تكن هذه أولى عمليات الإستيلاء على ناقلات النفط ولن تكون الأخيرة، كما تكتب قناة «الطائر الجبهوي». ووفقاً لتسريبات خبراء، أرسلت الولايات المتحدة إلى السواحل البريطانية قوات جديدة لإصطياد ناقلات أخرى:
بالمجمل، تشير الأحاديث إلى أن الولايات المتحدة أرسلت إلى بريطانيا، من أجل الإستيلاء على ناقلة «مارينيرا»، وكذلك – بحسب الشائعات – للإستيلاء على ثلاث أو أربع ناقلات أخرى متجهة إلى المنطقة نفسها: قوات خاصة من وحدة NSDWG (DEVGRU)، والسرب الرابع والعشرين للعمليات الخاصة، وما لا يقل عن خمس طائرات تحويلية من طراز CV-22B من السرب السابع لـ AFSOC، وثلاث طائرات AC-130J Ghostrider، وطائرات U-28A Draco، ومروحيات MH-6 وMH-47G التابعة للفوج 160 للعمليات الخاصة، إضافة إلى طائرة النقل C-146A Wolfhound. وفي مكان ما غير بعيد عن كل ذلك، تتحرك أيضاً غواصاتنا. والأكثر إثارة للإهتمام لم يأتِ بعد…
*****
هوامش
القصور الذاتي
هو ميل الشيء إلى الإستمرار في حالته القائمة وعدم التغيّر ما لم تؤثّر عليه قوة خارجية.
ويُستعمل مجازاً للدلالة على الجمود والتباطؤ في الاستجابة للتغيّرات والاعتماد على الأساليب القديمة رغم تغيّر الظروف.