سوريا بين مخطط الخراب ومعجزة الإنقاذ

ضيا اسكندر
2026 / 1 / 11

لم يعد المخطط الهادف إلى إنهاء سوريا، دولةً ومجتمعاً ودوراً، خافياً على أحد. ما يجري اليوم يتجاوز حدود الفشل أو سوء الإدارة، ويتخذ شكل مشروع متكامل للخراب الشامل، يعمل على تفكيك ما تبقّى من الوطن حجراً حجراً، ومؤسسةً مؤسسة، وإفراغ الدولة من مضمونها قبل إفراغها من قدرتها على الاستمرار.

القوى التي أطاحت بالنظام البعثي وأعادت تشكيل المشهد عبر سلطة الأمر الواقع، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، تتحرك ضمن مسار محسوب ومتسارع سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً. المشهد القائم يعكس غياب انتقال سياسي حقيقي، ويُظهر إعادة إنتاج للفوضى بصيغة جديدة، حيث يُعاد توزيع مراكز القوة، وتُهمَّش المسارات الوطنية الجامعة، ويُختزل القرار السياسي في دائرة ضيقة تحكمها اعتبارات إقليمية ودولية تتقدّم على مصلحة السوريين.

كل ذلك يجري أمام أعين السوريين والعالم في مشهد مكشوف، وقد تحوّلت سوريا إلى ساحة اختبار مفتوحة تُدار فيها تجارب قاسية بلا رادع. الصورة واحدة تتكرر: تعطيل متعمّد لبناء مؤسسات وطنية فاعلة، ترسيخ القبضة الأمنية على حساب العمل السياسي، وإبقاء البلاد في حالة إنهاك دائم تعرقل التعافي وتمنع النهوض. في هذا المسرح العبثي، يُتعامل مع الناس بوصفهم أرقاماً أو أدوات، ويُدفعون إلى التكيّف مع الخراب أو القبول بالصمت عليه.

ما بدأه نظام بشار الأسد من تدمير ممنهج للبنية الوطنية والاجتماعية استمرّ بعد سقوطه بصيغة مختلفة، اتسمت بخطاب أكثر نعومة ونتائج أشدّ قسوة. تتجه السلطة القائمة اليوم إلى إدارة أنقاض الدولة بدلاً من إعادة بنائها، بما يكرّس استمرار السيطرة ويؤجل تعافي المجتمع. في هذا السياق، تُفرَّغ المؤسسات من مضمونها، ويُختزل مفهوم الدولة في هياكل شكلية فاقدة للسيادة والقرار المستقل، فيما تُدار الملفات المصيرية خارج أي إطار وطني جامع.

يُكتب هذا الكلام بهدف وضع صورة الواقع كما هو، من دون تزييف أو تجميل. سوريا، التي كانت يوماً مركزاً للحضارة والتنوّع والقدرة على النهوض، تجد نفسها اليوم في حاجة إلى معجزة حقيقية تنتشلها من قاع الانهيار. غير أن خلاصها يظلّ مرتبطاً بإرادة أبنائها حين يقررون رفض تحويلهم إلى وقود لمشاريع الآخرين.

من هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل تتضافر جهود القوى الوطنية السورية، بكل تبايناتها، ومع من يدّعي صداقتنا من الدول، لفرض مسار سياسي حقيقي يستند إلى القرار الأممي 2254 كونه الإطار الوحيد المعترف به دولياً للحل؟ أم أننا دخلنا مرحلة تُدار فيها البلاد وفق أجندات الخارج، ويُترك الشعب السوري لمواجهة مصيره منفرداً؟

الإجابة صعبة، لكنها مصيرية. فإما أن تتشكل جبهة وطنية عريضة قادرة على تجاوز الانقسامات وفرض نفسها على الطاولة الدولية، أو تُترك سوريا نهباً لمشاريع التفكيك، تتحول أرضها إلى ساحة صراع دائم، ويُختزل شعبها إلى وقود لحروب لا تنتهي.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي