الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية

رانية مرجية
2026 / 1 / 11

ليست الذاكرة سجلًا محايدًا لما انقضى، ولا استعادةً عاطفية لزمنٍ غائب، بل هي المجال العميق الذي يتكوّن فيه المعنى، وتُصاغ عبره علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. وعند كبار السن، تبلغ الذاكرة ذروة اكتمالها لا لكثرة ما احتوته من أحداث، بل لنضج ما راكمته من فهم، حيث يتحوّل العيش من اندفاعٍ في الزمن إلى تأمّلٍ فيه، ومن عبوره إلى مساءلته.

كبار السن لا يقيمون في الماضي كما يُشاع، بل يحملونه في وعيهم بوصفه مادة للفهم لا للهروب. إنهم يعيدون ترتيب حياتهم عبر التذكّر، ويمنحون تجاربهم شكلًا قابلًا للاستيعاب بعد أن اجتازت تحوّلاتها الكبرى. ومع ذلك، كثيرًا ما يُدفع بهم إلى هامش الخطاب الاجتماعي، ويُختزل حضورهم في أبعاد نفعية ضيّقة: الرعاية، الحاجة، أو العجز، في تغييبٍ مؤلم لأثمن ما يملكون — ذاكرتهم وخبرتهم الإنسانية.

حين يُمنح كبير السن فرصة الكلام، لا يكون ذلك مجرّد تواصل، بل فعل اعتراف بإنسانيته الكاملة. فالسرد ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة وجودية؛ به تُستعاد الكرامة، ويُعاد وصل ما انقطع بين الإنسان وتاريخه الشخصي. الذاكرة التي لا تُروى تتحوّل إلى صمتٍ ثقيل، والصمت حين يطول يصبح شكلًا من أشكال الإقصاء غير المعلن.

غير أن الذاكرة ليست دائمًا مساحة مطمئنة. بعضُها مثقل بالخسارات، وبما لم يتحقق، وبأشكال الفقد التي لا تُستعاد. لكن النضج الإنساني لا يقوم على محو الألم، بل على احتوائه وفهمه. حين يُصغى إلى الألم دون شفقةٍ مبتذلة أو أحكامٍ مسبقة، يتحوّل من عبءٍ داخلي إلى معرفة، ومن جرحٍ مفتوح إلى خبرة قابلة للتأمّل. عندها، تصبح الذاكرة فعل مصالحة لا محكمة إدانة.

المقارنة التي يجريها كبار السن بين الماضي والحاضر لا تنبع من رفضٍ للتغيير، بل من وعيٍ بثمنه. فهم لا يسألون: لماذا تغيّر كل شيء؟ بل: ماذا خسرنا ونحن نتغيّر؟ وفي هذا السؤال تتجلّى قضايا عميقة تتعلّق بالعلاقات الإنسانية، وبمعنى الجماعة، وبالقيم التي تراجعت لصالح السرعة والمنفعة. وهي أسئلة لا تخص جيلًا بعينه، بل تمسّ مستقبل المجتمع بأكمله.

وحين يوجّه كبير السن رسالة إلى الجيل الجديد، فهو لا يمارس سلطة التجربة، بل يضع خلاصتها أمام الآخرين بوصفها احتمالًا للفهم لا وصاية. تلك الرسائل لا تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنها تفتح أفق التفكير، وتؤكّد أن الحياة — بكل ما فيها من تعثّر وانكسار — قابلة لأن تُفهم، وأن الفشل نفسه يمكن أن يتحوّل إلى معرفة.

إن المجتمع الذي لا يُصغي إلى ذاكرته الحيّة يفقد بوصلته الأخلاقية. فالتقدّم الذي لا يستند إلى الذاكرة يتحوّل إلى حركة بلا اتجاه. واحترام كبار السن لا يُقاس بكمّ الخدمات المقدّمة لهم، بل بقدرتنا على الإصغاء إليهم بوصفهم شركاء في المعنى، لا شهودًا صامتين على زمنٍ انقضى.

في المحصلة، الذاكرة ليست شأنًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية. وحين نحسن الإصغاء إلى كبار السن، لا نحفظ ذاكرتهم وحدهم، بل نؤسّس لوعيٍ إنساني أكثر نضجًا، يعترف بأن قيمة الإنسان لا تتناقص مع العمر، بل تتكثّف.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي