|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد اسماعيل السراي
2026 / 1 / 11
لم يكن عنف الشخصية العراقية وقلقها الدائم، ولا ميلها التاريخي إلى التمرد على السلطة، نابعًا من أصل عرقي بدوي، ولا من انحدار صحراوي يُفترض فيه الخشونة والصلف. فلو كان الأمر كذلك، لكانت الجزيرة العربية، بوصفها الحاضنة الأصفى للبداوة، أكثر المجتمعات اضطرابًا وعنفًا في علاقتها بالسلطة، غير أن التاريخ لا يشهد بذلك. لقد عرفت المجتمعات البدوية في الجزيرة العربية صراعات قبلية وغزوات، لكنها لم تُنتج نمطًا متكررًا من التمرد العقائدي أو الانقلابات الأخلاقية على الحاكم، كما عرفها العراق منذ وقت مبكر. وهذا وحده كافٍ لإسقاط التفسير البدوي–العرقي بوصفه مفتاحًا لفهم الشخصية العراقية.
إن العامل الأكثر عمقًا وتأثيرًا في تشكّل هذه الشخصية هو ما يمكن تسميته بـ«المثال العالي»، أو النموذج الأخلاقي المتعالي الذي قاس به العراقي السلطة والحكم. فقد تشكّلت في الوعي العراقي، منذ القرن الأول الهجري، صورة للحاكم المثالي، لا بوصفه مديرًا للشأن العام، ولا بوصفه ضرورة سياسية، بل بوصفه كائنًا أخلاقيًا مكتملًا، يجمع بين العدل المطلق، والزهد، والشجاعة، والنزاهة، والانتصار للمظلوم. وقد تمثّل هذا المثال في شخصية الإمام علي بن أبي طالب، لا كشخصية تاريخية فحسب، بل كنموذج معياري أُخرج من سياقه الزمني، وأُعيد إنتاجه بوصفه ميزانًا صالحًا لكل العصور. فإلى اليوم تردد الجماهير العراقية هذه الاهزوجة الشعبية: لا ولي إلا علي، ونريد حاكم جعفري.
وهنا تبدأ المعضلة. فالمثال الذي لا يقبل النقص، ولا يعترف بالنسبي، ولا يهادن الواقع، يتحول من قيمة موجِّهة إلى أداة إدانة دائمة. وكل سلطة واقعية، بحكم كونها ابنة ظروفها، ومجبرة على التنازل، وإدارة التناقضات، ستفشل حتمًا في التماهي مع هذا المثال. وبذلك، تصبح السلطة، أي سلطة، متهمة أخلاقيًا منذ لحظة ولادتها، لا لأنها ظالمة بالضرورة، بل لأنها ليست مثالية بما يكفي.
وقد غذّى الخطاب الديني، عبر القرون، هذا التوتر بين المثال والواقع، حين أبقى صورة الحاكم العادل معلّقة في فضاء الطهر الأخلاقي، مقابل سلطة دنيوية مشوبة دائمًا بالخطأ. فتحوّلت السياسة، في الوعي الجمعي العراقي، من مجال لإدارة الممكن، إلى ساحة امتحان أخلاقي صارم، لا ينجح فيه أحد. ولم يعد الظلم خللًا في الأداء أو انحرافًا قابلاً للإصلاح، بل خيانة جوهرية تستوجب الرفض والانقلاب. وهكذا، صار التمرد موقفًا أخلاقيًا، لا مجرد رد فعل سياسي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل هذا البناء المثالي عن التاريخ العراقي الطويل، المثقل بالكوارث. فالعراق كان، عبر تاريخه، مسرحًا للإمبراطوريات المتعاقبة، وساحةً للصراعات الكبرى، وهدفًا للغزوات، ومختبرًا للسلطات المركزية القاسية. وقد عانى مجتمعه من القمع، والمجاعات، والأوبئة، والاستعمار، والانقلابات، بما جعل العنف جزءًا مألوفًا من الذاكرة الجمعية، لا حدثًا طارئًا. وحين يتلاقى المثال الأخلاقي العالي مع تاريخ طويل من الإخفاقات والقهر، يولد شعور دائم بالخيبة، وغضب متراكم، واستعداد نفسي للانفجار.
لهذا، فإن الشخصية العراقية ليست شخصية خشنة أو بدوية بالمعنى الثقافي، بل شخصية مثالية جريحة. إنها شخصية ترى ما يجب أن يكون، أكثر مما تتصالح مع ما هو كائن. وهي بذلك تمتلك حساسية أخلاقية عالية، لكنها تدفع ثمنها سياسيًا. فالمثال، وإن كان قوة في قدرته على منع التماهي الكامل مع الظلم والطغيان، يتحول إلى لعنة حين يصبح مستحيل التحقق، وحين يُفرض على واقع لا يستطيع احتماله.
إن مأساة العراقي ليست في غياب القيم، بل في وفرتها المطلقة، وفي عيشه الدائم تحت ظل قيمة أعلى من قدرة التاريخ على التحقق. فهو لا يثور لأنه بدوي، ولا يعنف لأنه متمرد بطبعه، بل لأنه يقيس العالم بمسطرة أخلاقية أطول من الواقع نفسه. وبين المثال الذي لا يهبط، والسلطة التي لا ترتفع، ظل الإنسان العراقي عالقًا في صراع لا ينتهي، صراع نبيل في دوافعه، قاسٍ في نتائجه، وصانعًا لقلق تاريخي لم يُغلق بعد.
تتضح فرادة الحالة العراقية على نحوٍ أكبر حين تُقارن بتجارب مجتمعات عربية أخرى، عاشت ظروفًا صعبة، وعرفت الاستعمار والقهر والسلطات الجائرة، لكنها لم تُنتج النمط نفسه من القلق السياسي والعنف الأخلاقي والتمرد المستدام. ففي المجتمعات العربية التي تشكّلت في بيئات قبلية أو بدوية خالصة، كما في الجزيرة العربية، ظل معيار الحكم سياسيًا–عمليًا أكثر منه أخلاقيًا مثاليًا. فقد قُيّمت السلطة هناك بقدرتها على الحماية، وحفظ التوازنات، وتأمين العيش، لا بمدى اقترابها من نموذج أخلاقي متعالٍ. ولهذا، ورغم ما شهدته تلك المجتمعات من صراعات قبلية، لم تتحول علاقتها بالسلطة إلى علاقة نقض دائم أو تمرد عقائدي، بل بقيت علاقة تفاوض وتكيّف، تقبل الواقع ما دام يؤدي وظيفته الأساسية.
أما في مصر، حيث ترسّخت الدولة المركزية منذ آلاف السنين، فقد تشكّلت شخصية اجتماعية تميل إلى التسليم بواقع السلطة، حتى وإن كانت جائرة، مقابل الحفاظ على الاستقرار. فالمصري، تاريخيًا، اعتاد الدولة بوصفها قدرًا تاريخيًا، لا امتحانًا أخلاقيًا دائمًا. ولهذا، كان نقد السلطة في مصر غالبًا نقدًا معيشيًا أو اقتصاديًا، لا أخلاقيًا جذريًا، ولم يُحمّل الحاكم عبء التماهي مع نموذج طهراني أو عدالة مطلقة. فالدولة، لا المثال، كانت هي المرجعية العليا في الوعي الجمعي.
وفي بلاد الشام، حيث تعاقبت الهويات، وتداخلت الطوائف، وتشكّل المجتمع على قاعدة التعدد والتوازن، نشأ نوع من البراغماتية السياسية القلقة، التي تميل إلى المساومة والحذر، لا إلى الثورة الأخلاقية الشاملة. فالمجتمع الشامي، بحكم تركيبته، لم يُنتج نموذجًا واحدًا للحاكم المثالي، بل تعايش مع نماذج متعددة للسلطة، وقاسها بميزان الاستقرار النسبي، لا بالعدالة المطلقة.
وحده العراق، على نحو لافت، جمع بين إرث حضاري عميق، ودور مبكر في الصراع السياسي الإسلامي، وذاكرة دينية مشحونة بالمظلومية، ومثال أخلاقي صارم للحكم. ففيه تَحوّل النموذج من مرجع أخلاقي إلى معيار إقصائي، وفيه لم تُفصل السياسة عن الأخلاق، ولا الدولة عن المثال. فصار الحاكم مطالبًا بما لا يُطلب من بشر، وصار الفشل السياسي يُفسَّر بوصفه سقوطًا أخلاقيًا، لا تعثرًا تاريخيًا.
لهذا، لم يكن التمرد العراقي شبيهًا بالتمرد البدوي، ولا الثورة المصرية، ولا الحذر الشامي. لقد كان تمردًا أخلاقيًا في جوهره، تغذّيه صورة حاكم مثالي لا يموت، ويقابله واقع سلطوي لا يرقى. ومع تكرار هذا الاصطدام، ترسّخ في الوعي الجمعي شعور بأن الظلم هو القاعدة، وأن العدل استثناء مستحيل، وأن الخلاص لا يأتي عبر الإصلاح التدريجي، بل عبر القطيعة والانقلاب.
إن فرادة الحالة العراقية لا تكمن في عنفها وحده، بل في مصدر هذا العنف. فهو ليس عنف ندرة، ولا عنف عصبية، ولا عنف فوضى، بل عنف نابع من فائض أخلاقي غير قابل للتحقق التاريخي. وهذا ما يجعل الشخصية العراقية شخصية عالية الحساسية تجاه الظلم، سريعة الاشتعال، عميقة الخيبة، ومعلّقة دائمًا بين ما يجب أن يكون وما لا يمكن أن يكون. وبينما استطاعت مجتمعات عربية أخرى أن تصالح بين المثال والواقع، أو أن تُرجّح أحدهما على الآخر، ظل العراق أسير هذا التناقض، يدفع ثمنه جيلًا بعد جيل، في صورة قلق سياسي مزمن، وعلاقة مأزومة مع السلطة، لم تجد بعد طريقها إلى التسوية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |