|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمود الصباغ
2026 / 1 / 11
تعلمنا أن اللحظات التاريخية لا تقاس بخطابها ولا في نيّاتها المعلنة، وإنما بموقعك داخل شبكة إنتاج القيمة والضبط الأمني العالمي. فـ" اللحظة الوظيفية" لأي دولة هي التي تحدد إن كان عليها إعادة صياغة كيانها بوصفها مركزاً إنتاجياً، أم يُعاد تدويره كهامش أمني-خدماتي. ومن دون تثبيت هذا المعيار، تصبح المقارنات التاريخية مجازات أخلاقية أكثر منها أدوات تحليل.
نشر الكاتب والصحفي ماجد كيالي مقالة في منصة "المجلة"ـ يستعرض فيه فحوى "البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، بخصوص نتائج المفاوضات السورية-الإسرائيلية، التي جرت مؤخراً في باريس برعاية أميركية".. وهو البيان الذي اعتبره كيالي "مفاجئاً وملتبساً ومثيراً لتساؤلات عديدة، وبخاصة مع غياب موقف سوري رسمي يبيّن أو يوضّح ما حصل)....(رابط البيان في التعليق)
يطالب المقال في نهايته بتسمية الهزيمة كما هي -هزيمة ولا شيء آخر- دون أم يشير بوضوح الهزيمة ممن وأمام من، وما طبيعة هذه الهزيمة (عسكرية أم ثقافية أو وجودية ...مع إشارته إلى "غلبة" إسرائيل في الميدان العسكري منذ النكبة وحتى الآن..... ويأسف فيه لما اعتبره "عقليات قديمة منفصمة عن الواقع، لا تراجع تجربتها وأحوالها،
(انظر مقال كيالي في التعليق)
ولكي نخرج من حقل السجال إلى حقل الأطاريح النظرية وتحويل المقارنات إلى مفاهيم ناظمة أكثر منها أمثلة بلاغية، سنحاول تفكيك النموذج الذهني للمقال حين ننظر إليه كنموذج يدعو إلى إدارة الهزيمة من داخل موقع هامشي "مُعاد تصنيعه".
يفترض المقال أن تحول الوعي بالهزيمة هو المحرك الذاتي للنهوض التاريخي، ويبدو هذا الطرح منسجماً مع كتابات كيالي العديدة والتي تندرج ضمن "واقعية الهزيمة ". إلا أن هذا الطرح يعاني من فجوات منهجية تجعله عاجزاً عن قراءة الشروط المادية اللازمة لنشوء "اللحظة النهضوية"، فيتحول المقال إلى نوع من الوعظ الأخلاقي والنفسي دون التعمق في ما بعد "لحظة النهضة، أي الصيرورات المصاحبة ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والتجارية... وسواها.
وتتمثل أولى هذه الفجوات في افتراض وجود تماثل وظيفي بين هزيمة ألمانيا واليابان وهزيمة سوريا، مع تجاهل تام تقريباً لموقع كل من الهزيمتين في تقسيم العمل الدولي. إذ جرى دمج ألمانيا واليابان، عقب الحرب، كأقطاب نمو صناعي في ظل حاجة النظام الدولي (عبر مشروع مارشال) إلى فائض إنتاج تكنولوجي لمواجهة المنظومة الاشتراكية، أي أن هزيمة ألمانيا واليابان كانت إعادة تموضع داخل "المركز" الرأسمالي.( من المهم هنا إدراك أن ألمانيا واليابان لم تهزما فحسب، بل وقعا على وثائق استسلام عسكري وأعيد أراضي البلدين و جدولة الجيش ووضع دستور يناسب هذا الاستسلام -وليس الهزيمة، وهي الكلمة التي يفضل كيالي استخدامها)
في المقابل لا تتعدى المشاريع المطروحة لسوريا دمجها بوصفها منطقة عازلة أو محيطاً خدمياً في أحسن الأحوال (عبر مناطق اقتصادية حدودية وآليات تنسيق أمني- راجع مقال كيالي).
لا يشير الفقه السياسي في أي موضع إلى تصنيف هذه الحلول كنوع من النهضة أو النهوض، بل هي، في الواقع، "تنمية للتخلف" ؛ حيث يُراد للكيان السوري أن يظل هشاً وظيفياً لتأمين استقرار المركز الإقليمية المحيطة. ( لم تنجح في العراق منذ العام 2003). وعلى هذا تكون "واقعية" كيالي دعوة للقبول بسيادة جوفاء تقايض السيادة الوطنية بانتعاش تجاري هامشي، مما يحول الهزيمة من لحظة عابرة إلى بنية نظام دائمة.
أما الفجوة الثانية فتتمثل في التباعد الشاسع بين "الشروط المادية" و "الحكمة الأخلاقية، حيث يسقط كيالي - ربما من دون وعي- في "المثالية الهيغلية" حين يرى أن الوعي بالهزيمة مفتاحاً النهضة. متغافلاً عن أن لاعتراف بالهزيمة ليس متغيراً مستقلاً في التاريخ. فالنهضة الألمانية لم تكن قراراً أخلاقياً بـ "التواضع والقبول"، بل كانت ثمرة تدفقات رأسمالية ضخمة واحتضان مؤسساتي دولي خلق "سيادة اقتصادية" عوضت النقص العسكري.
وفي غياب هذا "الحامل المادي" الموجه للتصنيع في الحالة السورية، فإن "الاعتراف" الذي يدعو إليه كيالي لا يؤدي إلى نهضة، بل إلى تأبيد التبعية البنيوية.
فبينما كانت خطة مارشال جسر للنهوض، تبدو الطروحات الحالية لسوريا مجرد "تكيّة جيوسياسية" لضمان التهدئة. ومهما كانت النيات فإن مثل هذا الاعتراف لن يبني مصنعاً.
ثمة فجوة أخرى شديدة الأهمية، حين يعقد مقارنة غير دقيقة لحالة سوريا وحالة اليابان وألمانيا، فهذه الموازنة بصيغة دولة لدولة تتجاهل الفارق البنيوي الحاسم بين التجربتين، فألمانيا واليابان حافظتا على "البنية البيروقراطية والتقنية رغم الهزيمة العسكرية. بينما تعاني سوريا من "تآكل الدولة" وتحولها إلى ما يشبه كانتونات نفوذ. وتأتي دعوة كيالي هنا للاعتراف بالهزيمة في ظل "لا دولة" كدعوة لشرعنة الاستقرار المعتمد على الوكالة الأجنبية، سقفه النهائي سيادة منقوصة وظيفياً، هذا إذا افترضنا أن هناك سقفاً أصلاً.
يستدعي كيالي ياسين الحافظ لتبرير الانكفاء. لكن "عقلانية" الحافظ -كما نعلم- لم تكن دعوة للاستسلام أمام موازين القوى. لقد اصر ياسين الحافظ على التسلح بوعي حقيقي لهذه الموازين بغية تجاوزها "ثورياً" عبر مشروع -مشاريع تحديث شاملة، وليس القبول بفتات "الانخراط التجاري" على الحدود.
ينزع هذا الاستدعاء عن "موازين القوى" صفتها الديناميكية، ويحولها إلى "حتمية جيوسياسية" تفرض على السوريين القبول بدور "دولة موز أو حديقة خلفية" تحت مسمى الواقعية.
غير أن الفجوة الأكبر تتمثل في الخلل المعرفي لجهة تحول "اللحظة الألمانية" -وهي سياق تاريخي استثنائي موضوعي غير رغبوي مرتبطاً، في حينه، بالصراع القطبي العالمي- إلى "وصفة أخلاقية" عامة. بينما الأصل في القول إن النظام الدولي الذي صنع "معجزة" ألمانيا، هو ذاته الذي يسعى اليوم إلى ضمان "عجز" سوريا البنيوي بتحويلها إلى "كوريدور" لوجستي يخدم المركز الإقليمي (إسرائيل). ولا داعي للقول إن مثل هذا التوجه يمنع -حتماً وبنيوياً- نشوء "دولة المؤسسات" التي يحلم بها كيالي.
تنبني المقالة -منهجياً على نزع التسييس عن التاريخ السوري، فيفترض أن "النهضة تبدأ بالاعتراف"، محولاً قضية وطنية وجودية إلى مسألة "إدارة وعي" أو "سيكولوجيا سياسية". غير أن " النهضة" هي غير ذلك تماماً، ولعلها في أبسط تعريف لها تمثل عملية مادية تتطلب سيطرة الدولة على مواردها، وتغيير موقعها في تقسيم العمل العالمي. ولكن الاعتراف بالهزيمة في ظل نظام دولي يريدنا حديقة خلفية لنفوذ فهو انتحار يسلبنا أدوات الخروج من القاع، ويحول "الواقعية" إلى غطاء فكري لقبول "الدونية الهيكلية".
ليس من المنطق بشيء التعامل مع أزمات بنيوية عميقة بحسن النية (فالطريق إلى الجحيم مفروش بالأمنيات الطيبة، كما يقال).
إن ما يطرحه المقال ليس "لحظة ألمانية" بل هو "لحظة انتداب وظيفي جديد" بمسوغات عقلانية. لأن الفارق بين ألمانيا وسوريا ليس في شجاعة الاعتراف بالهزيمة، بل في "اللحظة الوظيفية" فلحظة الأولى خلقت لتكون "رأس حربة إنتاجية"، بينما يُراد للثانية أن تكون "رئة أمنية وتجارية مخنوقة".
تبدو دعوة المقالة، للوهلة الأولى، نوع من الرومنسية السياسية ترتدي قناع الواقعية، ودعوة "عقلانية" في زمن الانكسار؛ بالدعوة للاعتراف بالهزيمة وخفض سقف الخطاب والانتقال من لغة المعارك إلى لغة البناء. لكن فحص هذا الطرح يكشف أنه ليس "عقلنة للسياسة"، بقدر ما هو تفريغ للتاريخ من شروطه المادية، وإسقاط لاستعارة جاهزة على واقع لا يشبهها في شيء.
إن نزع الشروط المادية عن التاريخ، وتحويل موازين القوى إلى "قدر أخلاقي"، هو أقصى درجات "اللاعقلانية السياسية" التي حذر منها ياسين الحافظ نفسه؛ إذ تتحول "الواقعية" هنا من أداة للفعل إلى أداة للاستلاب.
رابط بيان وزارة الخارجية الأمريكية
https://www.state.gov/translations/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AD
رابط مقالة ماجد كيالي على منصة "المجلة"
https://www.majalla.com/node/329113/%D8%B1%D8%A3%D9%8A/%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%86%D8%A9?fbclid=IwY2xjawPPs19leHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeqfU66hAF7Kt_6lSpnG8SXT5eop4mxkL8JSokOC_pv6jFqwIJRpAqyLaW1qY_aem_HpSxJVH3qgaS-s17ETQDLw
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |