|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2026 / 1 / 10
ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
10 يناير 2026
قد يتكوّن أحيانًا إنطباع بأننا لا نفعل سوى الدفاع عن الوضع القائم، أو الإكتفاء بصدّ التحدّيات التي تنهال علينا. وهذا صحيح جزئيًا. غير أنّ مجرد المقاومة التفاعلية يتطلّب إرادة. ولو كان على رأس روسيا اليوم قيادة أخرى، لكانت قد مضت منذ زمن في طريق التسويات، ولما قاومت ولا قاتلت – حتى دفاعًا عن الوضع القائم نفسه. هكذا خسرنا الإتحاد السوفياتي (الإمبراطورية)، ثم الفضاء ما بعد السوفياتي، وبدأنا نفقد الإتحاد الروسي ذاته.
على الضفة الأخرى ثمة خطة وُضعت لنا، وهي خطة قاتلة. فالتخلّي عن وضعنا القائم، في نظر الغرب الجماعي، يعني تفكيك روسيا (ويسمّى ذلك رسميًا «تصفية الإستعمار»)، وتغيير النظام، وإنهيار السيادة. نحن نقاوم هذا بنشاط. هدفنا هو الحفاظ على الوضع القائم، حتى لا يتحقق ما يريد الأعداء إنزاله بنا.
وهذا نصف الطريق. لكن يتّضح شيئًا فشيئًا أن ذلك غير كافٍ.
نحن بحاجة إلى خطتنا نحن – إلى مسار التحوّلات الكبرى.
وهنا لا يكون الحفاظ على الوضع القائم سوى نقطة إنطلاق. بل إن الإصرار المفرط على إبقاء كل شيء كما هو، وعلى تعطيل أي عمليات أو تحوّلات، قد يتحوّل إلى عائق بحدّ ذاته.
لا ينبغي التشبّث بالعالم القديم: بالقانون الدولي، وبصون النظام القائم. كل ذلك قد إنهار. نحن ندخل زمن التغييرات الجذرية، في كل شيء. وما نراه حتى الآن هو الجانب المظلم التدميري من هذه التغييرات. وهذا صحيح، لأن خطة أعدائنا لا تزال هي المهيمنة بالكامل. هم يريدون تغيير كل شيء، ونحن نواجههم لأننا نريد الإبقاء على ما كان وما هو كائن.
لكن ينبغي أن ننظر إلى الأمر على نحو مختلف. نحن بحاجة إلى خطتنا الخاصة لتحوّلات العالم، إلى مساراتنا وتوجيهاتنا، إلى بوصلتنا الخاصة، وإلى قيم وأولويات نعلنها بصوت عالٍ وبثقة.
ليس لدينا اليوم، في الحقيقة، لا أيديولوجيا متماسكة، ولا ثقافة حية، ولا رؤية للمستقبل. نعيش شذرات من الماضي: ثوابت سوفياتية وبقايا قصور التسعينيات القذرة. كذلك هي النخبة الحاكمة، وكذلك – للأسف – الشعب. ما زلنا نأكل سلطة «أوليفييه» السوفياتية، ونشاهد أفلامًا سوفياتية أو مسلسلات عن فوضى التسعينيات.
لكن المطلوب شيء آخر تمامًا. على الشعب أن يدير وجهه عن الماضي والحاضر نحو المستقبل، وأن ينخرط في صنعه.
ليس مصطلح «الهندسة الإجتماعية» سيئًا. بناء المجتمع والدولة، وإيقاظ الشعب ليشارك في تقرير مصيره. هذا ما ينبغي الإنصراف إليه.
ومن الخطأ تمامًا أن يكون الهدف دراسة المجتمع. المجتمع ينبغي أن يُبدَع، ويُبنى، ويُنشأ، ويُربّى، ويُوقَظ، ويُرفَع، ويُعلَّم.
المجتمع لا يُشكِّل نفسه بنفسه، بل يُؤسَّس. وليس بالضرورة بواسطة السلطة؛ بل بالأحرى بواسطة الأنبياء، وأصحاب الرؤى، والمنادين، والمفكّرين، والشعراء، والمعبّرين عن هويته ومصيره.
وكل هذا ليس «تقنيات». التقنيات شأنها مهم، لكن جوهر المسألة ليس فيها. فهي قد تخدم الخير والشر معًا، اليقظة والنوم، الصعود والسقوط. لا خلاص فيها. الخلاص ليس في التقنية ولا في التقنيين، بل في الروح، وفي الفكر، وفي الإيمان.
نخبتنا الحاكمة، وقيادتنا، تفتقر على نحو حاسم إلى البعد الفلسفي: إلى التأمّل العميق، والتفكير المتأنّي، والحوارات الهادئة، والمشاهدات الباطنية، والكشوف الحدسية. كل القوى تُستنزف في إدارة اليوميّات والحفاظ على الوضع القائم. وبهذا لا يُصنع المستقبل ولا يُستشرف.
أحيانًا تنظر السلطة إلى الشباب، لكن الشباب هم على ما صنعه المجتمع، أي السلطة نفسها. فالشباب، من دون تربية وتعليم، لا يستطيعون التعبير عن شيء ولا بناء شيء. إنهم بحاجة إلى فكرة. لكنهم، بذاتهم، لن يصوغوها. ليست المشكلة في الشباب إذن. فهم، بدافع القصور الذاتي، إمّا أن يدافعوا عن الوضع القائم في أحسن الأحوال، أو أن ينزلقوا سلبيًا نحو الليبرالية الغربية في أسوأها. هذا لا يجدي. إذا ربّى شبابَ اليوم أناسُ الوضع القائم، فستكون النتيجة «شباب الوضع القائم». ينبغي الدخول من جهة أخرى: من جهة المستقبل. المهم ليس أيّ شباب لدينا، بل أيّ شباب يجب أن يكون لدينا. ومن يقرّر ذلك ليس الشباب أنفسهم.
ترامب، خلال عام واحد من رئاسته، حطّم الوضع القائم الأميركي تحطيمًا. سواء كان ذلك حسنًا أم سيئًا، فالعالم القديم لم يعد موجودًا. وفي العالم الجديد لا يوجد لنا مكان محجوز. لكي نكون، ينبغي أن ننتصر. وما معنى «أن نكون» لا يحدّده الموظف ولا التقني، ولا الشباب ولا حامل القصور الذاتي، بل المفكّر.
روسيا بحاجة إلى فكرٍ سيادي
بديلًا عن الوضع القائم، الذي لا يوجد فيه – للأسف – حتى إقتراب مكبوت من مثل هذا الفكر. هذا ليس سببًا لليأس، بل دعوة إلى أن نبدأ أخيرًا بالتفكير على نحو حقيقي.