|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2026 / 1 / 10
في السابع من يناير 2026، رحل الفيلسوف المصري مراد وهبة عن عمر يناهز المئة عام، تاركا إرثا فكريا يستعصي على التصنيف السهل. ألف عشرات الكتب عن العقلانية والتنوير، وترك أيضا بصمة مثيرة للجدل في المشهد السياسي المصري، من خلال موقفه الصريح من التطبيع مع إسرائيل ودفاعه المستمر عن الصهيونية بوصفها حركة فكرية. هذا التناقض الظاهر بين الإلتزام بالعقلانية الفلسفية والانحياز السياسي المثير للجدل يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن لعقل فلسفي نقدي أن يتخذ موقفا سياسيا مرفوضا من قبل جماهير غفيرة، من دون أن يقع في تناقض مع جوهره؟
ولد مراد وهبة عام 1926 في مصر، وحصل على الليسانس في الفلسفة من جامعة فؤاد الأول عام 1947، ثم على الدكتوراه من جامعة الإسكندرية عام 1959. بدأ حياته الفكرية متأثرا بالمد القومي الناصري، لكنه تحول تدريجيا نحو الليبرالية والعلمانية الصريحة. كان هذا التحول فلسفيا وسياسيا بامتياز، إذ جمع بين نقد التطرف الديني وتأييد الانفتاح على الغرب، دون أن يغفل التأثير العميق للسياق السياسي المصري على مساره الفكري.
في الثمانينيات والتسعينيات، أصبح الرجل واحدا من أبرز المدافعين عن اتفاقية كامب ديفيد التي وقعتها مصر مع إسرائيل عام 1978. لم يكتف بالدفاع عن السلام كضرورة سياسية، بل ذهب أبعد من ذلك: دافع عن الصهيونية بوصفها حركة تحررية، و وصف معارضيها بـ"المتطرفين"، معتبرا أن معاداة الصهيونية هي شكل من أشكال معاداة السامية. هذا الموقف ظل ثابتا على مدى عقود، مما أثار جدلا واسعا بين المثقفين المصريين والعرب.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يتسق هذا الموقف مع مشروع فلسفي يدعي العقلانية والتنوير؟ الإجابة تكمن في فهم طبيعة "التنوير" الذي دعا إليه مراد وهبة. لم يكن تنويرا شاملا يقوم على العدالة والمساواة، بل كان انتقائيا مرتبطا بأجندة سياسية محددة. اختار الرجل أن ينتقد الإسلام السياسي والتطرف الديني - وهو نقد مشروع - لكنه في الوقت نفسه تجاهل التطرف الصهيوني والممارسات الاستعمارية الإسرائيلية. هذا الانتقاء يكشف عن بنية فكرية غير متسقة: تنوير يستخدم كأداة سياسية لا كمنهج شامل.
في كتابه "ملاك الحقيقة المطلقة" (1998)، هاجم الرجل التطرف الديني الإسلامي بشراسة، واعتبر أن الأصولية الإسلامية تهديد وجودي للعقل، لكنه لم يوجه النقد نفسه للأصولية اليهودية أو المسيحية، ولم يتناول بنفس العمق الممارسات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة منذ 1948، والضفة الغربية وغزة منذ 1967. هذا الصمت الانتقائي هو خيار واع يعكس موقفا سياسيا واضحا: تبرير الصهيونية حتى لو تناقض ذلك مع المبادئ الفلسفية المعلنة.
المفارقة الكبرى في مسيرته هي أن الرجل أمضى حياته في الدفاع عن العقل والنقد الفلسفي، وانتهى به الحال مدافعا عن حركة سياسية قامت على الاحتلال والاستيطان. الصهيونية بحسب المؤرخين الإسرائيليين الجدد مثل إيلان بابه وآفي شلايم، ليست مجرد حركة تحرر قومي، بل مشروع استعماري استيطاني أدى إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني عام 1948 فيما يعرف عربياً بـ"النكبة". كيف يمكن لفيلسوف يدعو إلى العقلانية أن يتجاهل هذه الحقائق الموثقة؟
الجواب يكمن في فهم العلاقة بين الفكر والسلطة. مراد وهبة لم يكن فيلسوفا معزولا في برج عاجي، بل مثقفا عضويا (بالمعنى الجرامشي) لنظام سياسي مصري اختار التحالف مع إسرائيل والغرب. هذا الدور لم يكن مجانيا: حصل على دعم مؤسسي ومالي من جهات غربية، وأصبح صوتا معتمدا في الإعلام الرسمي. هذا الموقع الاجتماعي أثر على إنتاجه الفكري بطريقة لا يمكن تجاهلها.
موقف الرجل لم يكن معزولا عن السياق المصري والعربي. بعد توقيع كامب ديفيد عام 1978، انقسم المثقفون المصريون بين مؤيد ومعارض، وكان الموقف الرسمي للدولة داعما للتطبيع، مما خلق مناخا سياسيا يكافئ المؤيدين ويعاقب المعارضين. الرجل اختار الانحياز للموقف الرسمي، وهو خيار سياسي صريح، بينما رفض مثقفون آخرون مثل محمد حسنين هيكل وجمال حمدان وإدوارد سعيد التطبيع، معتبرين أن الصهيونية مشروع استعماري يتناقض مع قيم العدالة والحرية.
على الصعيد العالمي، منذ العام 2000، بدأت موجة جديدة من النقد الأكاديمي للصهيونية في الغرب نفسه. مفكرون يهود مثل نعوم تشومسكي ونورمان فينكلشتاين وجوديث بتلر انتقدوا إسرائيل بشدة، معتبرين أن سياساتها تمثل شكلا من أشكال الفصل العنصري (Apartheid). منظمات حقوقية دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" أصدرت تقارير في 2021 و2022 تتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين. في هذا السياق، يبدو موقف الرجل متخلفا حتى عن معايير الليبرالية الغربية التي يدعي الانتماء إليها.
لفهم خطاب الرجل، يجب تفكيك بنيته الداخلية. استخدم مفاهيم فلسفية مثل "العقلانية"، و"التنوير"، و"الحداثة" كأدوات أيديولوجية لا كمناهج نقدية. في خطابه العقلانية تعني رفض الإسلام السياسي والقبول بالهيمنة الغربية، والتنوير يعني التطبيع مع إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية، والحداثة تعني الانخراط في النظام الرأسمالي العالمي دون نقد اختلالاته. هذا الاستخدام الأيديولوجي للفلسفة ليس جديدا، المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978) كشف كيف استخدم الخطاب الأكاديمي الغربي لتبرير الاستعمار. مراد وهبة بطريقة مشابهة استخدم الفلسفة لتبرير التطبيع والصهيونية، بينما كان سعيد يكشف الاستعمار ويفضحه.
الإشكالية الأعمق هي أن موقفه أسهم في تفريغ الفلسفة من محتواها النقدي. الفلسفة منذ سقراط هي أداة لمحاسبة السلطة وفضح الظلم، لكن الرجل حولها إلى أداة لتبرير السلطة والتعايش مع الظلم. هذا الانحراف عن الوظيفة النقدية للفلسفة يمثل الخطيئة الفكرية الكبرى في مسيرته.
ارتبط اسمه منذ 1995 وحتى نحو 2015 بموقف معلن لدعم التطبيع الثقافي مع إسرائيل، وأكد في حوارات صحفية وتلفزيونية متعددة أن التطبيع أصبح "حقيقة تاريخية" بعد اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، وأن رفضه يعني العودة إلى ما قبل كامب ديفيد. أقر خلال هذه الفترة بزيارته القدس في التسعينيات ولقائه مسؤولين إسرائيليين، ودافع عن هذه الخيارات بوصفها جزءا من رؤيته التنويرية للعالم.
خلال حرب لبنان في يوليو 2006، التي قتل فيها أكثر من ألف مدني لبناني وفق تقارير الأمم المتحدة، تبنى وهبة خطابا يركز على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، من دون إدانة واضحة للانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين، مما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الثقافية العربية. أما أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في يوليو-أغسطس 2014، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ألفي فلسطيني وفق بيانات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، فلم يسجل له موقف علني واضح يدين المجازر أو يتضامن مع الضحايا، وهو صمت لافت في ضوء حضوره الإعلامي المتكرر في قضايا فكرية وسياسية أخرى.
هذا التراكم من المواقف المعلنة والصمت الموثق لا يقدم حكما أخلاقيا جاهزا، بل معطى نقديا يكشف عن مفارقة بين خطاب يرفع حقوق الإنسان كقيمة كونية، وممارسة انتقائية تتراجع فيها هذه القيمة حين تتقاطع مع خيار سياسي مسبق. وفي هذه المفارقة، تظهر حدود التنوير حين يفصل عن حساسيته الأخلاقية تجاه الدم، أياً كان صاحبه.
ترك مراد وهبة إرثا مزدوجا: فيلسوفا أسهم في تأسيس الحركة الفلسفية المصرية الحديثة ودافع عن العقلانية في مواجهة التطرف الديني، لكنه أيضا مثقفا دافع عن الصهيونية وبرر الاستعمار الاستيطاني. هذا التناقض يعكس أزمة المثقف العربي الذي ينحاز للسلطة على حساب الشعب، وللغرب على حساب القضايا العادلة.
رحيله يدعونا إلى إعادة النظر في معنى الفلسفة والاستنارة. التنوير الحقيقي لا يمكن أن يتعايش مع الظلم، والعقلانية الحقيقية لا يمكن أن تبرر الاستعمار. الفيلسوف الحقيقي هو من يقف مع المظلومين، لا مع الظالمين. الرجل اختار طريقا آخر، وهذا الاختيار سيبقى وصمة في تاريخه الفكري، مهما بلغت إنجازاته الفلسفية الأخرى. السؤال الذي يبقى معلقا: هل يمكن للفلسفة أن تكون نقدية وتواطئية في الوقت ذاته؟ مسيرة مراد وهبة تجيب بنعم، وهذه هي المأساة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |