|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ناظم زغير التورنجي
2026 / 1 / 10
نقد التباين بين الشعار والممارسة في الخطاب الشيوعي المعاصر
أبوحازم التورنجي
تؤكد قيادات أحزاب شيوعية عديدة، ومعها قطاعات واسعة من المنتمين إليها، أنها ما زالت تسترشد بالماركسية بوصفها منهجًا فكريًا وتحليليًا، لا عقيدة جامدة ولا نصوصًا مقدسة. غير أن هذا الادعاء، على شيوعه وتكراره، يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن القفز عليه: إلى أي مدى تُترجم الماركسية من شعارٍ نظري إلى ممارسة سياسية ملموسة؟ وإلى أي حدّ يعكس شعار “التغيير الشامل” فعلًا مشروعًا تحويليًا حقيقيًا، لا مجرد لغة تعبوية للاستهلاك الحزبي؟
الماركسية: منهج أم لافتة ؟
الماركسية، في جوهرها، ليست هوية تُعلَّق ولا مفردات تُردَّد، بل منهج نقدي مادي تاريخي ، يفترض تحليل البنية الاقتصادية–الاجتماعية ، وتحديد مواقع الصراع الطبقي، وبناء سياسات تنبع من مصالح الطبقات المنتَجة الكادحة والمسحوقة والمهمَّشة. حين تُختزل الماركسية في إشارات عامة إلى “العدالة الاجتماعية” أو “الدفاع عن الفقراء” دون تحليل ملموس لعلاقات الإنتاج والسلطة، فإنها تتحول من أداة تغيير إلى لافتة رمزية فارغة.
في هذا السياق، تبدو ممارسات كثيرة بعيدة عن الروح الماركسية: غياب التحليل الطبقي الملموس، ضعف الاشتباك مع قضايا العمل والإنتاج، والاكتفاء بخطاب أخلاقي معنوي انشائي عام لا يختلف كثيرًا عن خطاب قوى ليبرالية أو إصلاحية.
شعار (التغيير الشامل): بين اليسارية اللفظية والواقعية السياسية
يُرفع شعار “التغيير الشامل” بوصفه ذروة الطموح الثوري، لكنه غالبًا ما يبقى غير مُعرّف بدقة: ما طبيعة هذا التغيير؟ ما أدواته؟ من هي قواه الاجتماعية؟ وما مراحله؟ في غياب إجابات واضحة، يتحول الشعار إلى صيغة بلاغية فضفاضة، تُستخدم في البيانات والمؤتمرات، بينما تشير الممارسة العملية إلى مسارات مختلفة تمامًا: تحالفات انتهازية، قبول بقواعد لعبة سياسية مختلّة، أو اندماج تدريجي في منظومات الحكم القائمة.
التناقض هنا ليس تكتيكيًا مؤقتًا، بل بنيوي: كيف يمكن الدعوة إلى تغيير شامل مع تبني ممارسات إصلاحية محدودة، بل وأحيانًا تبريرية للنظام القائم؟
من النقد الثوري إلى التكيّف البراغماتي
المشكلة لا تكمن في المرونة السياسية بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى نمط دائم من التكيّف. حين تصبح الواقعية السياسية مبررًا للتخلي عن التحليل الطبقي، وعن استقلالية الموقف، وعن بناء بديل اجتماعي واضح، فإنها تتحول إلى نقيض الماركسية نفسها. عندها يغدو الحزب الشيوعي جزءًا من إدارة الأزمة، لا قوة تعمل على تفكيك أسبابها.
هذا التباين بين الخطاب والممارسة لا يُضعف مصداقية القيادات فحسب، بل يُربك القاعدة الحزبية، ويُفرغ الانتماء الأيديولوجي من محتواه، ويدفع قطاعات واسعة من اليسار إلى العزوف أو الاغتراب.
نحو استعادة المصداقية
استعادة المصداقية لا تتم عبر مزيد من الشعارات، بل عبر:
- إعادة تعريف الماركسية بوصفها منهج تحليل وممارسة، لا تراثًا لغويًا.
- ربط شعار التغيير الشامل ببرنامج واقعي واضح، محدد القوى والأدوات والمراحل.
- مطابقة الخطاب مع الممارسة، أو على الأقل الاعتراف الصريح بالتناقضات بدل إنكارها.
- الانحياز الفعلي لقضايا العمال والكادحين، لا الاكتفاء بالحديث باسمهم.
إن أخطر ما يواجه الحركة الشيوعية اليوم ليس هجوم الخصوم، بل التناقض الداخلي بين ما يُقال وما يُفعل. فحين تتحول الماركسية إلى لغة بلا مضمون، والتغيير الشامل إلى شعار بلا طريق، يفقد المشروع الشيوعي جوهره التحرري، ويصبح مجرد طرف سياسي آخر في مشهد يعيد إنتاج نفسه. النقد هنا ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا أوليًا لأي بعثٍ حقيقي لليسار بوصفه قوة تغيير لا قوة تكيّف.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |