رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام

كاظم حسن سعيد
2026 / 1 / 10

تُعد قصيدة (الشجرة المعمرة) للشاعر كاظم حسن سعيد نصاً وجودياً مكثفاً، يتجاوز كونه رثاءً لشجرة، ليصبح مرآةً تعكس دورة الحياة والموت، التحول والانبعاث.
بلغةٍ رصينة وصورٍ شعرية مشحونة بالعاطفة، يأخذنا الشاعر في رحلة كونية تبدأ من شموخ الألف عام، وتنتهي بخلود الفن.

إليك قراءة أدبية تحليلية معمقة في ثنايا هذا النص بقلم/ د. عادل جوده /العراق

شموخ الألف عام: الشجرة كذاكرة للكون

يفتتح الشاعر قصيدته باستحضار البعد الزمني العميق (ألف سنة)، ليخرج الشجرة من حيز الكائن النباتي العابر إلى حيز "المؤسسة الوجودية". هي ليست مجرد جذع وأغصان، بل هي "مخزن الأسرار". في هذا المقطع، يمنح الشاعر الشجرة صفة "الشاهد الملك" على صراعات الطبيعة وتناقضاتها؛ فهي التي آوت "الوحوش والعشاق" في تضادٍ يبرز قدرة الطبيعة على استيعاب النقيضين: الغريزة والكلمة، القسوة والرقة.
تتحول الشجرة في النص إلى حارس للتاريخ الطبيعي؛ فهي التي "اعترضت مسار الفيلة"، و"اكتنزت أشعة الشمس"، وكأنها بطارية كونية تشحن الزمان والمكان بالضوء. إن استحضار "أسرار البروق" و"فتك الأفاعي" يضفي عليها صبغة ميثولوجية، فهي الكائن الذي يعرف ما لا نعرفه، والتي عاصرت صمت النمل وصخب العواصف، متلفعةً بظلمة الليالي، لتزفّ كل يوم إلى إشراق جديد.

الفاجعة: حين تنكسر الهيبة

ينقلنا الشاعر فجأة من سيمفونية البقاء إلى إيقاع الانكسار: "الآن تمكنت منها الفؤوس". هذا التحول الدرامي يمثل ذروة الصراع في النص. الفأس هنا ليست مجرد أداة نجارة، بل هي رمز للتدخل البشري العنيف الذي ينهي ألف عام من السكينة في لحظات.
الصورة التي رسمها الشاعر لبقايا الشجرة ("تركتها بارتفاع متر") هي صورة بصرية جارحة للقلب. الشجرة التي كانت تطاول السماء وتظلل الفيلة، أصبحت الآن "وحيدة تتقن النعي والحداد". هنا يبرز "أنسنة" الشجرة؛ فهي لا تموت بصمت، بل تمارس طقوس الحزن على تاريخها المفقود، وعلى أغصانها التي "استعمرها" النجارون، في استخدام دقيق وموحٍ لمفردة "الاستعمار" التي توحي بالاستلاب والقهر.

التناسخ الجمالي: من التابوت إلى العناق

يصل النص إلى قمته الفلسفية في الخاتمة. فرغم أن الشجرة أصبحت "تابوتاً"، وهو رمز الموت والنهاية، إلا أن الشاعر يفتح نافذة للخلود عبر "الإزميل".
هنا ننتقل من "موت الطبيعة" إلى "حياة الفن".
الإزميل الذي "أمطر فيها الجمال" هو المخلص.
لقد تحولت المادة الخشبية الصماء بفعل يد الفنان من جسد ميت إلى رمز للحب الأبدي.
الشجرة التي كانت تضم آلاف الأعشاش والوحوش، تكثفت الآن لتصبح "عاشقين في لحظة عناق".
هذا الانبعاث (Reincarnation) يعطي للقصيدة بعداً تفاؤلياً مغلفاً بالشجن؛ فالجمال لا يموت، بل يغير شكله.
الشجرة لم تعد تراقب العشاق من بعيد كما في مطلع القصيدة، بل صارت هي العناق ذاته.

القيمة الفنية واللغوية في النص

اعتمد كاظم حسن سعيد على التكثيف الصوري، حيث تخلو القصيدة من الحشو اللغوي. كل كلمة تؤدي وظيفة درامية:
* المفارقة (Paradox):
بين الشجرة التي كانت "تظلل الوحوش" وبينها الآن وهي "تابوت".
* الانتقال من العام إلى الخاص:
من الشجرة كفضاء كوني (شمس، بروق، فيلة) إلى الشجرة كمنحوتة فنية صغيرة (عاشقان).
* الأنسنة العميقة:
لم يصف الشاعر الشجرة كخشب، بل ككائن يمتلك أسراراً، يحزن، ويُزفّ للشروق.

خاتمة

إن قصيدة "الشجرة المعمرة" هي صرخة ضد الفناء، واحتفاء بالقدرة الإبداعية التي تستخرج من الموت حياةً جديدة. لقد استطاع الشاعر أن يحوّل مأساة قطع شجرة إلى ملحمة وجودية، مذكراً إيانا بأن الفن هو المسار الوحيد الذي يمكننا من خلاله استعادة ما سلبه الزمن منا.
إنها قصيدة تُقرأ بالقلب قبل العين، وتستحق أن تتأملها طويلاً، تماماً كما نتأمل حلقات جذع شجرة قطعت لتوها، لنقرأ فيها تاريخ العالم.


الدكتور عادل جودة
العراق

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي