طوفان الأقصى 826 - اليمن بين الخرائط والدم: أناتوميا حرب الجنوب العربي

زياد الزبيدي
2026 / 1 / 10

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


10 يناير 2026

تجسّد الأزمة اليمنية نموذجاً صارخاً للفوضى التي تهيمن على بعض مناطق العالم اليوم نتيجة "سياسة القوة الخشنة" التي تنتهجها الولايات المتحدة في نقاط مختلفة من الأرض، وفق ما تؤكد الكاتبة يلينا بانينا* في مقالها المعنون "الكابوس الدموي في اليمن" (6 يناير 2026). تقول بانينا: "نتيجة سياسة الولايات المتحدة الجريئة في نقاط مختلفة من الكرة الأرضية، أصبح الإعتقاد سائداً بين المشاركين في العلاقات الدولية بأن الحجة الوحيدة التي لها قيمة اليوم هي القوة العنيفة. الفارق في تقييم الأحداث الدموية يتحدد فقط بمدى إهتمام وسائل الإعلام بها.

اليمن: أكثر من مجرد دولة واحدة

توضح بانينا أن فهم اليمن اليوم يتطلب تجاوز الرؤية البسيطة للدولة الواحدة، إذ إن البلد يشمل تاريخياً دولتين متعارضتين: "الشمالي" الذي كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية وعاصمته صنعاء، و"الجنوبي" المعروف سابقاً بـ"الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية" وعاصمته عدن، والذي كان حليفاً للإتحاد السوفياتي. وتشير إلى أن "تحت إسم اليمن الموحد منذ 1990، تختفي حكماً دولتان متباينتان داخلياً، حيث تتوزع كل منهما بين قبائل مختلفة أحياناً بشكل جذري".
الجدير بالذكر أن "حركة أنصار الله" أو الحوثيين صعدت إلى الواجهة الإعلامية العالمية عبر مواجهاتها العسكرية مع إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية، غير أن نشاطها العسكري تقلص بعد قطع التعاون مع إيران إثر حملة صيف 2025.

الحرب في حضرموت: تصاعد النفوذ الإقليمي

في ديسمبر 2025، إندلعت مواجهات عنيفة في حضرموت بين مجلس الإنتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات وبين القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، وفق ما ورد في تقرير بانينا. "بدأت المجموعات القبلية للمجلس الإنتقالي الجنوبي هجوماً على المنطقة بهدف السيطرة على الحقول النفطية، ونجحت في البداية بدعم إماراتي، إلا أن السعودية تدخلت، حيث شنت وحداتها، وفق معلومات غير مؤكدة، هجوماً مضاداً بالتنسيق مع الجيش اليمني وإستعادت كافة الأراضي، بما في ذلك المكلا."
تؤكد بانينا أن هذا النوع من الصراعات يعكس "اللعبة القبلية-الطائفية" داخل اليمن، حيث لا توجد دولة بمعناها الكلاسيكي، بل تحالفات قبلية مرنة تعتمد على الدعم الخارجي للبقاء.

أبعاد الدعم الخارجي: إيران والإمارات والسعودية

تستعرض الدراسة دور الدول الخارجية في النزاع اليمني:
1. إيران: لعبت دوراً مركزياً في دعم الحوثيين، لكنه تراجع بعد حملة صيف 2025.
2. الإمارات: "لقد تحوّل الدور الإماراتي من تدخل محسوب لفرملة تمدد إيران إلى إنخراطٍ يستمر بذاته، أقرب إلى حركة تلقائية في صراع فقد بوصلته السياسية الواضحة."
3. السعودية: حاولت قيادة "حرب صغيرة ناجحة" لتعزيز موقع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لكنها واجهت "كابوساً" نتيجة فشل قواتها، ما إضطرها للإستعانة بمرتزقة محترفين.
وتشير بانينا إلى أن "هذه التدخلات الخارجية تُظهر أن القوة العسكرية للأنظمة الخليجية، رغم الميزانيات الضخمة، غالباً ما تكون محدودة الفعالية في النزاعات الحقيقية".


الدرس العسكري والجيوسياسي للمنطقة

توضح الكاتبة أن التجربة الخليجية في اليمن تثبت أن الإنفاق العسكري الضخم لا يعني بالضرورة قدرة على فرض السيطرة، بل غالباً ما يقتصر على "قتال بالوكالة" بإستخدام قوى محلية ومرتزقة. ووفق بانينا: "الخبرة تشير إلى أن هذه النفقات الضخمة لم تحقق نتائج مباشرة، بينما تجنبت الدول الخليجية مواجهة مباشرة."
كما يبرز التحليل أن الإمارات بدأت تحوّل تركيزها إلى التنمية الإقتصادية والمالية، بينما السعودية تبحث عن "طرق للحفاظ على الإستقرار الداخلي" في ظل هشاشة بنيتها القبلية والسياسية.

دور روسيا وإمكاناتها في اليمن

تشير بانينا إلى أن "الذاكرة التاريخية للتعاون مع موسكو لا تزال حاضرة في جنوب اليمن، لكن تأثيرها محدود. روسيا تُرى كشريك مثير للإهتمام في المجال العسكري، لكنها لا تلعب دوراً حاسماً حالياً". ويخلص التحليل إلى أن روسيا، في غياب قدرات بحرية كافية في البحر الأحمر وخليج عدن، تقتصر على دور مراقب وتجاري، مع فرص محتملة لإستغلال فوضى النقل واللوجستيات لتطوير طرقها في المنطقة، بما في ذلك المسارات البحرية في القطب الشمالي.

الخلاصة

يمكن تلخيص الوضع اليمني على النحو التالي:
•اليمن ليس دولة بالمعنى التقليدي، بل شبكة معقدة من التحالفات القبلية المدعومة خارجياً.
•الدعم الخارجي يحوّل النزاع المحلي إلى صراع إقليمي، لكنه لا يضمن النجاح العسكري المباشر لأي طرف.
•دول الخليج، رغم إنفاقها العسكري الضخم، تواجه قيوداً فعلية على الأرض، ويظهر التحول نحو الإقتصاد والمالية كإستراتيجية أكثر إستدامة.
•روسيا، رغم تاريخها العسكري والسياسي، تقتصر حالياً على دور مراقب وإستثماري، مع إمكانات محدودة للتأثير العسكري المباشر.
تقدّم دراسة يلينا بانينا نموذجاً عميقاً لفهم كيف تتحرك القوى الكبرى في بيئات محلية معقدة، حيث "القوة العسكرية وحدها لا تضمن السيطرة، بينما تلعب السياسة الداخلية والتحالفات المحلية دوراً مركزياً".

*****
هوامش

يلينا بانينا
سياسية وإقتصادية ومحللة جيوسياسية روسية بارزة، شغلت عضوية البرلمان وشاركت في صياغة ومناقشة قضايا السياسة الخارجية.
بروفيسورة تشغل رئاسة معهد الإستراتيجيات السياسية والإقتصادية الدولية (RUSSTRAT)، وتُعرف بتحليلاتها المتعمقة للنزاعات الإقليمية والتحولات الدولية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي